م)، أم في"الهيولى"المادة الأولى كما رأى أرسطو (384 - 322 ق.م) لأنه لا شيء ينشأ من لا شيء. ما قدمه لنا الجميع إذا دققنا هو تصورات عقلية ليس لها أي دليل إلا الأفكار والمبادئ التي استند إليها كل فيلسوف. فما رآه العقل هنا، رأى نفس العقل الإنساني غيره. وسوف تأتي تجارب العلماء المعاصرين، لتساهم في إبقاء خلافات المثاليين والماديين استنادًا إلى نفس الاكتشافات التي نجحت العلوم المعاصرة في التأكد من صحتها تجريبيًا. وبدلًا من التخفيف من حدّة الصراع، فإن معسكر المادية قام بشن الحرب على كافة الجبهات يؤازره في ذلك ما حققته الرأسمالية المنتصرة من نجاحات في نشر الفساد والانحلال الخلقي، وهشاشة المعسكر المثالي، الذي تأكد أنه في غالبيته مثالي من فوق ومادي من تحت، بقبوله الشراكة مع الظلم والعدوان، بما ينافي القيم الخلقية التي تأمر بها المثالية. وإن هزيمة المعسكر المثالي وفشله في مجابهة المعسكر المادي أدّت إلى إدخال البشرية في نفق مظلم، وساهمت في إباحة الدم البشري، وإبادة شعوب على الهوية، لأنها لا تملك نفس الانتماء، كما ساهمت في رفع الرحمة من القلوب بين أبناء الجنس الواحد، والتلاعب بعواطفهم وإرسالهم إلى الموت من أجل مصالح اقتصادية، وتحت رايات أخلاقية لا يؤمن بها الذين رفعوها ودعوا إليها، وكتبوا عنها. بل إن البعض أصبح لا يخاف من التصريح علنًا بأنه على استعداد لتدمير شعب كامل بالأسلحة النووية أو البيولوجية إذا ما اقتضت مصالحه التوسعية خارج أرضه القيام بمثل هذا التدمير. وهكذا أصبح كل شيء مباحًا بعد أن أخذ الإنسان مصيره على عاتقه، وانغمست أفكاره في متاهات الصدفة التي اعتقد أنه ابنها، وأنها كما خلقته، فإنها ستذهب به، وعليه لذلك أن يغتنم فرصة الحياة التي لن تتكرر ليمارس فيها جميع ما تدعوه الغرائز لممارسته. أليس لأن الإنسان قد تعلّم أن عقله هو الحكم الوحيد لتقدير ما ينفعه ويضرّه.