-وثانيها: يَعْتَلِق بالعلم المُنْتَسِبة إليه المَلَكَة ؛ بأن يُنْكَفأ عليه فَوْقَ انكِفاء الأم على واحدها ، وإلا كان بَصَره به مدخولًا . ولذلك مَبْدأ ذَكَرَه السِّعْدي يرحمه الله بقوله: (( يَنْبغي للمتعلم إذا دخل في فن من فنون العلم ـ أن يَنْظر إلى كل باب من أبواب العلم ، فَيَحْفظ منه الأشياء المهمة ، وبحوثه النافعة ، فيُحَقِّقها ويتصوّرها كما ينبغي ، ويحرص على مآخذها ، وما هي مبنية عليه ، فإنه لا يزال على هذه الحال حتى يَحْصل له خير كثير ، وعلم غزير ) ) (2) .
ثم الصَّدَر عن ذلك يَفْتَح عَيْن القلب في ذلك العلم فَيُحْتَفى به مدارسةً ومزاولةً، و ( المزاولات تُعْطي الملكات ، والتمرينات ترقِّي صاحبها لِدَرَج الكمالات ) (3) .
-وثالثها: مَدُّ جسرِ المعرفة للعلوم التي بينها وبين ( علم الملكة ) ـ سبب وثيق ، ولا يكاد صِنْف من العلم يَتَوَحَّد ، يقول الدَّلَجي ـ يرحمه الله ـ: (( العلوم مربوطٌ بعضها ببعض ومتعلِّق به ، إما على سبيل الاستلزام ، أو على سبيل الاستمداد ) ) (4) .
وتلك العلوم الآليَّة لغيرها ( لا ينبغي أن يُنْظَر فيها إلا مِنْ حيث هي آلة لذلك الغير فقط ، ولا يُوَسَّع فيها الكلام ، ولا تُفَرَّع المسائل ؛ لأن ذلك مُخْرِجٌ لها عن المقصود ، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير ، فكلما خرجتْ عن ذلك خرجتْ عن المقصود ، وصار الاشتغال بها لَغْوًا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها ) (5) .
ومِنْ كُلِّ ذلك يَبِيْن الفَارِق بين الملكة التي هي عمود العلم ، وبين مُجرَّد حفظ مفردات العلم وفهمها ، يقول ابن خلدون يرحمه الله: (( الملكة هي غير الفهم والوعي ؛ لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها ـ مشتركًا بين مَنْ شَدَا في ذلك الفن وبين مَنْ هو مبتدئ فيه ، وبين العامِّي الذي لم يُحَصِّل علمًا وبين العالم النِّحْرِير ) ) (6) .