الشبه بين هاتين الدولتين صارخة اذ ان كلًا منهما حركة بنيت على الدين، مسلحة عدوانية استيطانية غربية المصدر فلسطينية المستقر، عنصرية غير انصهارية، اعتمدت على الدعم الغربي ماليًا وعسكريًا ودعائيًا واجتماعيًا، ثم ان كلًا منهما نشأت في فترة انقسام وشردذمة الشرق [1] .
ولعل نقطة التشابه الأساسية ذات طابع جغرافي ففلسطين هي النقطة المستهدفة في كل من المشروعين الصليبي والصهيوني. ويبدو أن فلسطين مستهدفة دائمًا من صناع الإمبراطوريات إذ أنها تُعَدُّ مفتاحًا أساسيًا لآسيا وأفريقيا، وتُعدُّ معبرًا على البحرين الأحمر والأبيض، وتقف على مشارف الطرق البرية التي تؤدي إلى العراق وإيران، وهي أيضًا معبر أساسي لشطري العالم الإسلامي. وفلسطين في واقع الأمر ليست سوى جزء من ساحل طويل يضم سوريا ومصر، يشكل فاصلًا بين البحر المتوسط في الغرب والمحيط الهندي في الشرق. ويُعد هذا الموقع، بالتالي، فاصلًا بين مراكز النشاط في أوربا الغربية والشرق الأقصى. كل هذا يبين تشابك المصير بين سوريا ومصر من جهة وفلسطين من جهة أخرى، وخصوصًا أن كثافة مصر السكانية جعلتها دائمًا المرشحة لقيادة المنطقة بأسرها في صراعها ضد الغزوات الغربية. ويلاحظ أن كلاًّ من المشروعين الصليبي والصهيوني اكتشف أنه لحسم الصراع لصالحه، فلابد من ضرب مصر أو على الأقل تحييدها [2] .
والواقع أن الغزاة الاستيطانيين عادةً ما يسلكون طريق البحر، ثم تستقر الجيوب الاستيطانية على الساحل أو تحتفظ بركيزتها الأساسية فيه كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر. وكذلك، فإن الغزوتين الصليبية والصهيونية سلكتا الطريق البحري نفسه واحتلتا أجزاء من نفس الشريط البحري، وإن كان الشريط الذي احتله الصليبيون أكثر طولًا من الشريط الذي احتله الصهاينة.
أما من الناحية التاريخية، فيمكن القول بأن ثمة تشابهًا بين وَضْع العالمين العربي والإسلامي في القرن الحادي عشر ووضعهما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانا في حالة انقسام وتراجع وتجزئة. فالخلافة الفاطمية في مصر كانت في
(1) الشبه بين الحرب الصلبيبية والحركة الصهيونية- عبد اللطيف زكي ابو هاشم - مجلة الفيصل - عدد 334 - ص39
(2) الموسوعة الصهيونية - د. عبد الوهاب المسيري المجلد السادس ص 107