* إن كثيرًا من الرجال أريقت مياه وجوههم واختفوا عن أعين الناس خوفًا من عتاب الدائنين ، وهروبًا من كلماتهم الساخنة .. ومن ذلك ما رواه الطحاوي عن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تخيفوا الأنفس بعْد أمنْها ) )قالوا: يا رسول الله ، وما ذاك ؟ قال: (( الدينُ ) ) [1] .
لذا ، ينبغي على المرء أن يستشعر أن الدين مذلة للرجال ، كما جاء في الأثر: (( الدين همٌّ بالليل ومذلة بالنهار ) ).. قال القرطبي: قال علماؤنا: (( وإنما كان شينًا ومذلة لما فيه من شُغلِ القلبِ والبال والهمِّ اللازم في قضائه والتذللِ للغريم عند لقائه ، وتحمُّلِ منته بالتأخير إلى حين أوانه ) ) [2] . وقد ذكر في الأثر صور من ذلك أيضًا:
* جاء أبو قتادة - رضي الله عنه - إلى رجل قد استدان منه دينًا ... جاء إليه ليتقاضاه في أحد الأيام فما كان من هذا المقترض إلا أن اختفى عن ناظريه واختبأ عنه .. وقُدر أن يخرج صبيٌ من دار ذلك المقترض ، فسأله أبو قتادة عن أبيه ؟ فقال الصبي: هو في البيت يأكل خزيرةً - نوع من الطعام - فنادى أبو قتادة بأعلى صوته: يا فلان أخرج فقد أخبرتُ أنك هاهنا ... فخرج ... فقال له: ما يُغيبك عني ؟ قال الرجل: إني معُسرٌ وليس عندي ما أسدد به ديني . فاستحلفه أبو قتادة أنه معسرٌ .. فحلف الرجلُ على ذلك .
فبكى أبو قتادة أن يصل الأمر بأخيه إلى هذه الحالة البائسة . فقال بعد ذلك: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( من نفّس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة ) ) [3] .
(1) 15) الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي (3 /416 ) .
(2) 16) المصدر السابق ، ( 3/ 417 ) .
(3) 17) أصل الحديث في صحيح مسلم .