فقد أخذتك يا بني بجملة ما كنت سمعته من مشايخي متفرقا في هذا الباب فأقبل الآن على ما قصدتني له: فهالني قوله فسكت و أطرقت نادمًا ! فلما رأى ذلك منى قال: فإذا لم تطق هذه المشاق كلها فعليك بالفقه الذي يمكنك فعله وأنت ببيتك لا تحتاج لبعد الأسفار ، ووطء الديار ، وركوب البحار ، وهو في الآخرة ، ولا فن الفقيه بأقل من فن المحدث ، قال: فلما سمعت ذلك نقص عزمي في طلب الحديث ، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت متقدمًا فيه ، فلذلك لم يكن عنده ما أمليه على هذا الصبي ، فقال له المعلم: أن هذا الحديث لا يوجد عند غيرك خبر للصبي من كلام كثير نجده عند غيرك .... انتهى .
قال الهيتمي تعقيبًا:"واستفيد من ذلك مزيد فضل الفقه ، وأنه ثمرة الحديث ، وإن كان طلب الحديث أشد ، و تحصيله أشق [1] ."
17-وعلم الحديث علم يحتاج إلى مجاهدة في تحصيله ، وانشغال بمعرفة أصوله وقواعده .
أورد المباركفورى في: ( مقدمة تحفة الأحوذي ص 17 ، 18 ) هذه الأبيات للسيد المرتضى الواسطى والتي قال فيها:
علم الحديث شريف ليس يدركه ... ... إلا الذي فارق الأوطان مغتربا
وجاهد النفس في تحصيله فغدا ... ... يجتاب بحرًا ، وفى الأوعار مضطربا
يلقى الشيوخ ويروى عنهم سندا ... ... وحافظ ما روى عنهم وما كتبا
ذاك الذي فاز بالحسنى وتم له ... ... حفظ السعادة موهوبا ومكتسبا
طوبى لمن كان هذا العلم صاحبه ... ... لقد نفى الله عنه الهم والوصبا
7-شرف علم الحديث الشريف ، ومكانته:
1-شرف علم الحديث شرف لا يدانى ، ومكانته مكانة سامقة لا تطاول ، فهو سيد العلوم ومنبعها بعد كتاب الله - عز وجل - فهو يشتمل على التوحيد والتفسير والفقه ، والتواريخ .
-قال الخطيب البخاري في: ( شرف أصحاب الحديث ص 7: 9 ) :
(1) ذكر هذه الحكاية - كذلك - القاضي عياض في ( الإلماع ص 31 ) .