تهدف هذه الدراسة إلى تصويب المرايا المقعرة والمحدبة بل والمهشمة التي نرى فيها أنفسنا، ونقيم من خلالها وجودنا ونرسم بملامحها سلوكنا ومواقفنا من الآخر والكون والله. وقد اقتضى منهج البحث أن تقسم على قسمين: الأول يبحث في مفهوم الاستشراق، ويبين مراحله، ويفرق بين قديمه وجديده، ليضع الاستشراق الجديد في إطاره التاريخي، ثم يعرض الفرق بين القديم والجديد. ويدرس القسم الثاني مفهوم الثقافة العربية وأسسها المعرفية، ويوضح أثر الاستشراق الجديد فيها من خلال دراسة قضيتين: الأولى، مفهوم المصطلحات وواقعه في الثقافة العربية المعاصرة، وأثره في الذات العربية، والثانية هي الأسس المعرفية التي يقوم عليها نظام التعليم في الوطن العربي، وأثر الاستشراق الجديد فيه، وما ترتب على ذلك من خلل في الهوية العربية. وسوف تقدم الدراسة في خاتمتها اقتراحات نظرية وعملية لمعالجة الإشكاليات المطروحة.
أولًا: تعريف الاستشراق ومراحله:
لقد ساعد الاستشراق عبر التاريخ على تحديد صورة الشرق كما هو الآن، فقد كان هذا الشرق في الاستشراق من إبداع الغرب، إنه قرينه ونقيضه ومنافسه، وهو في الوقت نفسه تجسيد لمخاوفه وبعث لمشاعره بالتفوق. ولكن الخطاب الاستشراقي بالمقابل شكل عاملًا أساسيًا في تحديد صورة الشرق في أذهان الشرقيين من خلال رسم هذه الصورة والدفاع عنها ومسح تلك الأذهان لتصبح جاهزة لقبول تلك الصورة وتبنيها والانطلاق في التعامل مع الغرب من خلالها.