على أنّ أبا الحسَن قد حَكَى: هار يَهِير، فهذا يؤنِّسُ أنّ ياءَ تهيّرَ وضْعٌ، وليست على المُعاقَبة، قال: ولا تحْمِلَنَّ هارَ يَهِير على الواوِ، قِياسًا على ما ذهَبَ إليه الخَليل في تاهَ يَتيه، وطاحَ يَطيح، فإنّ ذلك قَليل ... ويُؤْنِّسُ كَوْنَ"يُطَيَّقُونَهُ" (يَتَفَعَّلُونَهُ) لا (يتفَيْعَلونَه) قِراءَة من قرأ:"يُطَوَّقُونَهُ"والظاهر من بعد أن يكون (يتَفَيْعَلونه) "."
ونقل الزمخشري عن ابن عباس أنه قرأ:"يُطَوَّقُونَهُ"تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه أو يقلدونه. و"يُطَيَّقُونَهُ"وأصلها (يطيوقونه) على أنها من (فيعل) من الطوق فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تَدَيَّرَ المكان وما بها ديار. ويجوز أن يكون معنى"يُطَيَّقُونَهُ"أي يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم [1] .
وقد خَرَّجَ السمين لقراءة"يُطَيَّقُونَهُ"، فقال:"وقد رَدَّ بعضً الناسِ هذه القراءةَ. وقال ابن عطية:"تشديدُ الياء في هذه اللفظةِ ضعيفٌ" [2] وإنما قالوا بِبُطْلاَنِ هذه القراءةِ لأنها عندهم من ذوات الواوِ وهو الطَّوْق، فمن أين تَجِيءُ الياءُ؟ وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنُ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ (تَفَعَّل) حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من (تَفَيْعَل) ، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران، والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والوُاو، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقُلِبَت الواوُ ياءً، وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدْغِمَ بعد القلبِ، فَمَنْ قَرَأَه"يَطَّيَّقونه"بفتح الياءِ بناه للفاعل، ومَنْ ضَمَّها بَناه للمفعول. وتَحْتَمِل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقَتَه، وذلك مجاز من الطَّوْقِ الذي هو القِلاَدَةُ، كأنه بمنزلةِ القِلادَةِ في أَعْنَاقِهِم" [3] .
• (فَبُهِتَ) : من قوله تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [4] . [التاج: بهت] .
استشهد الزبيدي بقراءة الجمهور {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} على مجيء الفعل (بُهِتَ) مبنيا للمفعول مثل: (زُهِيَ) و (عُنِيَ) على سبيل الاقتصار، وذكر أنها أفصح اللغات، لمجيء القرآن بها [5] .
(1) الكشاف: 1/ 252.
(2) المحرر الوجيز لابن عطية المحاربي: 1/ 200.
(3) الدر المصون: 2/ 256.
(4) البقرة: 258.
(5) انظر هذه القراءات: جامع البيان: 5/ 432، والمحرر الوجيز: 1/ 341، والدر المصون للسمين: 3/ 92، وروح المعاني للألوسي: 3/ 19.