وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ أصلُها (سُئِلوا) كالعامَّةِ ثم خُفِّفَتِ الكسرةُ فسَكَنَتْ، كقولِهم في"ضَرِب"بالكسر: ضَرْب بالسكون فَسَكَنت الهمزةُ بعد ضمة فقُلِبت واوًا نحو: بُوْس في بُؤْس. والثاني: أن تكونَ مِنْ لغة الواو. ونُقل عن أبي عمرو أنه قرأ"سِيْلُوا"بياءٍ ساكنةٍ بعد كسرةٍ نحو: مِيْلُوا" [1] ."
ومن ذلك:
• (البَرِيئَة) : قراءة في قوله تعالى: {شَرُّ البَريَةِ} [2] ، و {خَيْرُ البَريَةِ} [3] .
[التاج: برأ]
ذكر الزبيدي أن"البَرِيَّةَ: الخَلق، والأصل فيها الهمز، ولكن العربَ قد تركت هَمزها، يدل على ذلك قراءة نافعٍ وابن ذَكْوان على الأَصلِ قوله تعالى: {شَرُّ البَريئَةِ ... خَيْرُ البَريئَةِ} [4] . إلا أن الفراء يرى أن الأصل غير مهموز حيث يقول:"البرية غير مهموز، إلا أن بعض أهل الحجاز همزها كأنه أخذها من قول الله جل وعز:"برأكم"، وبرأ الخلق، ومن لم يهمزها فقد تكون من هذا المعنى. ثم اجتمعوا على ترك همزها كما اجتمعوا على: يرى وترى ونرى، وإن أخذت من البرى كانت غير مهموزة" [5] ."
وقد أخذ السمين هذا المعنى فوسعه فقال:"قرأ نافعٌ وابن ذَكْوان"البَريئة"بالهمزِ في الحرفَيْن، والباقون بياءٍ مشدَّدةٍ. واخْتُلِف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصلُ مِنْ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: ابتدأه واخترعَه فهي (فعيلةٌ) بمعنى مَفْعولةٌ، وإنما خُفِّفَتْ، والتُزِمَ تخفيفُها عند عامَّةِ العربِ. وقد ذَكَرْتُ أنَّ العربَ التزمَتْ غالبًا تخفيفَ ألفاظٍ منها: النبيُّ والخابيةَ والذُّرِّيَة والبَرِيَّة. وقيل: بل البَرِيَّةُ دونَ همزةِ مشتقةٌ مِنْ البَرَى، وهو الترابُ فهي أصلٌ بنفسِها، فالقراءتان مختلفتا الأصلِ متفقتا المعنى. إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةَ غَضَّ مِنْ هذا فقال:"وهذا الاشتقاقُ يَجْعَلُ
(1) الدر المصون: 12/ 25.
(2) البينة: 6.
(3) البينة: 7.
(4) قراءة نافع وابن عامر، في الموضعين، والباقون بغير همز، انظر: السبعة لابن مجاهد: 693 ومعجم القراءات للخطيب: 527/ 10.
(5) معاني القرآن: 3/ 282، وانظر الحجة لابن خالويه: 374، والحجة لابن زنجلة: 769.