طرأ على الآداب العربية من التأثير والتقلب بدواعي أحوال العصر من حرية مقيدة وحرية دستورية وانضغاط لسبب الحرب الكونية والتحرر التام بعدها فما بقي علينا إلا أن نلقي رائد البصر إلى العالم العربي الحاضر لنرى إجمالا حالة آدابه الحاضرة وما يرجى منه لمستقبل هذه الآداب كان حقنا أن نباشر بحثنا هذا بمهد اللغة العربية أي جزيرة العرب. أيستفاد من نجدها وحجازها ويمنها شيء لنهضة الآداب العربية؟ فنجيب بكل أسف أن مقامها في عالم الأدب غاية في الخمول. فإن مدارسها وصحافتها ومنشوراتها لا يعبأ بها. ولا ننكر أن في حواضرها بعض العلماء المتفقهين إلا أن آثار أقلامهم زهيدة مجهولة. ولا تخلو مكة والمدينة وصنعاء من مخطوطات عربية نادرة وإنما هي مطمورة منزوية في بعض زوايا المساجد أو بيوت الخاصة يقرضها العث والأرضة ويتلهف على فقدها العلماء وحتى الآن لا تلوح لنا بارقة أمل في تحسين تلك الأحوال وخروج البلاد من سنتها وجمودها الأدبي لكن نظر مصر ورقيها في سلم الآداب يبهج العين ويسر القلب. فإن عظمة ملكها فؤاد الأول ووزراءها وعلماءها الأعلام من وطنيين وأجانب يتناصرون في تعزيز الآداب العربية في القطر المصري عمومًا وفي القاهرة خصوصًا. فالمدارس زاهرة وسوق الآداب نافقة والصحافة راقية والمطبوعات العربية متوفرة. وهناك الجامعة العربية والمكاتب الحافلة بالآثار القديمة والمخطوطات العزيزة الموجود بعضها في المكاتب العمومية وبعضها عند الخاصة ذوي الهمة القعساء
على أن هذه النهضة المشكورة لم تبلغ غاية ما يؤمل من نشاط ذويها وتوفر أسباب نجاحهم. فإن لديهم كنوزا من آثار القدماء لم تزل دفينة. ومع تحسن الطباعة المصرية ماديًا لم تتحسن كثيرًا بالصورة والمضامين والشروح وتصحيح الروايات والفهارس الخ فإن منشوراتها بعيدة عن إتقان المستشرقين لكتبهم إلا قليلًا منها أما مطبوعات مصر الحديثة فإنها تحسنت من جانب حروف الطباعة وإتقان الطبع وجمال الصور وصقالة الورق لكنها غالبًا قليلة الجدوى فإن بينها قسمًا كبيرًا للروايات الخيالية التي يعربونها عن اللغات الأوربية ومعظمها ضرره أكبر من نفعه لما يغلب عليها من وصف الحوادث الغرامية وتهييج الشهوات الباطلة. ومنها قسم آخر أخلاقي