فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 74

إن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن للخلق صانعًا صنعه ومدبرًا دبره . قيل الدليل على ذلك أن الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحمًا وعظمًا ودومًا . وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال لأنا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعًا ولا بصرًا ولا أن يخلق لنفسه جارحة ، يدل ذلك على أنه في حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز لأن ما قدر عليه في حال النقصان فهو في حال الكمال عليه أقدر وما عجز عنه في حال الكمال فهو في حال النقصان عنه أعجز . ورأيناه طفلًا ثم شابًا ثم كهلًا ثم شيخًا وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم لأن الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك فدل ما وصفنا على أنه ليس هو الذي ينقل نفسه في هذه الأحوال وأن له ناقلًا نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر .

مما يبين ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلًا مفتولًا ، ثم ثوبًا منسوجًا بغير ناسج ولا صانع ولامدبر ، ومن اتخذ قطنًا ثم انتظر أن يصير غزلًا مفتولًا ثم ثوبًا منسوجًا بغير صانع ولا ناسج كان عن معقول خارجًا وفي الجهل والجًا . وكذلك من قصد إلى برية لم يجد فيها قصرًا مبنيًا فانتظر أن يتحول الطين إلى حالة الآجر وينتضد بعضه على بعض بغير صانع ولا بان كان جاهلًا .

وإذا كان تحول النطفة علقة ثم مضغة ثم لحمًا ودمًا وعظمًا أعظم في الأعجوبة كان أولى أن يدل على صانع صنع النطفة ونقلها من حال إلى حال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت