8-لم ينص المالكية صراحة على حكم مسألة التورق، ولم يذكروا صورتها المعروفة على التحديد في مدوناتهم، غير أن نصوصهم المتكاثرة في مسألة (بيوع الآجال) وهي (أن من باع سلعة بثمن مؤجل، فلا يجوز له أن يشتريها من المبتاع بثمن معجل أقل مما باعها به) تُفيد جوازه، حيث إنها قيدت الحظر والتحريم أو شرطت لثبوته أن يكون البائع الأول هو المبتاع، وعللت المنع بأيلولة هاتين البيعتين المتقابلتين وإفضائهما إلى أن يُقرض شخصٌ آخر مبلغًا من المال ليستوفي منه أكثر من ذلك المبلغ عند حلول الأجل، نظرًا لرجوع السلعة إلى بائعها الأول، وهذا القيد أو الشرط أو المعنى غير متحقق في مسألة التورق. ويتضح ذلك جليًا في قول صاحب (القوانين الفقهية) بعد أن ذكر مسألة بيوع الآجال:"بيان: يجوز بيع السلعة من غير بائعها مطلقًا" [1] . أي حتى ولو كان البيع بثمن معجل أقل مما اشتراها به نسيئة، طالما أنه لغير البائع الأول. وهي مسألة التورق.
ويؤكد ما بينتُه النصوص الفقهية الآتية:
أ- قال أبو عمران الفاسي الصنهاجي في كتاب (النظائر في الفقه) :"فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل، ثم ابتاعها من فوره بثمن أقل منه نقدًا من المبتاع منه: أن البيع الثاني باطل، لأنه ذريعة إلى الربا، وكأن السلعة لما رجعت إليه كأنها لم تخرج قط من يده، وإذا لم تخرج من يده، كان ذِكرُ البيع فيها ذريعة إلى دفع قليل في كثير من نوعه إلى أجل، وهو الربا". ثم قال:"ونحن نقول في قياس ذلك: لأنه بيع يتذرع به إلى الربا المحظور، فلم يجز، كما لو قصد إليه. ولها شرائط: وهي أن يكون البائع الأول هو المبتاع، وأن يكون البيع الثاني قريبًا من الأول، وأن تكون السلعة واحدة، وأن يكون الثمن المدفوع أقل لا أكثر من المتأخر. والعلة هي صورة الربا مع هذه الشرائط فافهم" [2] .
(1) ) ... القوانين الفقهية لابن جزى ص 277.
(2) ) ... النظائر في الفقه ص 28، 29.