... والعينة بصورها المختلفة تسمح بنشؤ مديونية دون قيمة مضافة، كما سبق، ممايؤدي إلى ظهور الهرم المقلوب. فالسلعة الواحدة يمكن استخدامها من أجل الحصول على النقد مئات الآلاف من المرات، كما هو الحال في التورق المنظم وغيره من صور العينة. فالعميل يشتري السلعة بأجل، ثم يبيعها نقدًا (على البائع أو غيره) ، ليشتري السلعة نفسها عميل آخر بأجل أيضًا ليبيعها بنقد، وهكذا. فالسلعة الواحدة يتولد عنها من الديون على مستوى المجتمع أضعاف أضعاف قيمتها. وهذا يستلزم اختلال نسبة المديونية إلى الثروة ومن ثم بروز الهرم المقلوب الذي يعد علامة فارقة للاقتصاد الربوي. فالأثر الاقتصادي للعينة لا يختلف عن الأثر الاقتصادي للربا، بل قد يكون أسوأ إذا أخذنا في الاعتبار التكلفة الإجرائية لمبادلة سلع لا تحقق أي قيمة مضافة.
المصالح الشرعية
... صنف علماء المقاصد أنواع المصالح التي جاءت الشرعية برعايتها إلى ثلاثة أقسام: ضرورية وحاجية وتحسينية. فالسلعة إن كانت ضرورية فشراؤها يكون واجبًا إن قدر عليه، وإن كانت تحقق مصلحة حاجية فهي مطلوبة شرعًا بقدر الحاجة إليها، وإن كانت تحقق مصلحة تحسينية فهي مباحة في الجملة. أما إن كانت السلعة لا تحقق أي مصلحة، لا ضرورية ولا حاجية ولا تحسينية، فشراؤها في هذه الحالة من الإسراف المذموم والتبذير المنهي عن شرعًا كما سبق.
... وإذا كان الإسراف منهيًا عنه مع كون الشخص يشتري بماله سلعة ضئيلة المنفعة، فكيف بمن يستدين من الآخرين ليشتري سلعة عديمة المنفعة أصلًا؟ فالاستدانة مكروهة في الأصل إلا لحاجة حقيقية مشروعة، [1] فإذا اجتمع الإسراف مع الاستدانة تحقق التحريم ولا شك.
(1) ... انظر بحث الكاتب: «موقف الشريعة الإسلامية من الدين» .