وإذا كان الوقف قد قبل بل وتطلب الأحكام الاجتهادية وفق الصورة السابقة فهو من باب أولى يتطلب ويتقبل الاجتهاد لتخير الآراء المناسبة عند اختلاف الفقهاء في مسائله الفقهية وهو ضرب من الاجتهاد , ويتوجه ذلك من أننا إذا استصحبنا الأحكام الفقهية الاجتهادية للوقف , وهي كثيرة كما سلف بسطه ـ فإنه لا بد أن يصحبها اختلاف , لأنها مبنية على الأعراف وهي مختلفة أحيانا وعلى المصالح وهي متباينة أحيانا أخرى من جهة التوسع فيها أو الإقلال منها فإذا أضفنا إلى ذلك أن هذه الاختلافات في الآراء الاجتهادية لم يسلم منها حتى المذهب الواحد في البلد الواحد فضلا عن المذاهب الفقهية فيما بينها فإن ذلك يلزم بالتخير من هذه الآراء وبخاصة في الأحوال التي يتحتم فيها التشريع المكتوب وتقنين الوقف في مدونة جاهزة ومتفق على أحكامها , وقد حدث هذا بالفعل فإن الدول الإسلامية حين عمدت لتقنين الوقف قادها ذلك إلى التخير من آراء الفقهاء المختلفة حتى ولو كان ذلك من مذهب آخر غير المذهب المعمول به في بلد التقنين . ومن الأمثلة التي نجدها في هذا الصدد أن قانون الوقف المصري لسنة 1948 قد أخذ بالرأي القائل بعدم اشتراط القبول للاستحقاق في الوقف أخذا برأي الحنفية رغم أن المالكية والشافعية وبعض الحنابلة يعتبرون القبول ركنا إذا كان الوقف على معين [1] . كما أجاز نفس القانون وقف المنقول مطلقا أخذا برأي الجمهور في حين أن الحنفية لا يجيزون وقفه إلا في حالات خاصة . وقضى بعدم جواز وقف الحصة الشائعة في عقار غير قابل للقسمة أخذا برأي المالكية وإن كان قد أحاط ذلك ببعض الشروط .
(1) ـ ... الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي: 8 / 160 .