فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 35

ولذلك لجأ عمر - رضي الله عنه -، وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس - رضي الله عنه -، لقرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية آخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ممكنًا، وما كان من المعقول ان يقر الصحابة رضوان الله عليهم عمر على ذلك أبدًا، لأن الانصراف عن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعرفون قدر نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد.

فتعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد والفواقر، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. وأمر آخر نقوله جوابًا على شبهة أولئك، وهو: هب أن عمر - رضي الله عنه - خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بالتابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضًا؟ لا شك أن هذا ضرب من التمحل والتكلف لا يحسدون عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت