رابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه أن يقول: ( اللهم فشفعه في(1) وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته - صلى الله عليه وسلم -، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في، أي اقبل دعاءه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له - صلى الله عليه وسلم - ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في"لسان العرب" (8/184) : (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه) .
فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه - صلى الله عليه وسلم - لا بذاته.
خامسًا: إن مما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمى أن يقوله: ( وشفعني فيه(2) أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته - صلى الله عليه وسلم -، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا المعنى الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
(1) . هذه الجملة هي عند أحمد والحاكم وغيرهما، وإسنادها صحيح.
(2) . هذه الجملة صحت في الحديث، أخرجها أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وهي وحدها قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل، كما ذهب إليه بعض المؤلفين حديثًا، والظاهر أنهم علموا ذلك، ولهذا لم يوردوا هذه الجملة مطلقًا، الأمر الذي يدل على مبلغ أمانتهم في النقل. وقريب من هذا أنهم أوردا الجملة التي قبلها"اللهم فشفعه في"من الأدلة على التوسل بالذات، وأما توضيح دلالتها على ذلك فمما لم يتفضلوا به على القراء. ذلك لأن فاقد الشئ لا يعطيه !.