(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ( إِنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَني إِسْرَائيلَ أَكْثَرَ الَّذي هُمْ فيهِ مخْتَلِفونَ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (وَاتْلُ) : أي اتَّبِعْ، والتِّلاوةُ هي الاتَّباعُ، يُقالُ اتْلُ أَثَرَ فلانٍ وتَلَوْتُ أَثَرَه وقَفَوتُه وقَصَصْتُه بمعنى تَبِعْتُ خَلفهُ، ويُسمَّى تَالي الكلامِ تَالِيًا؛ لأَنَّه يُتبِعُ بعضَ الحروفِ بعضًا لا يُخرجُها جملةً واحدةً، وحقيقةُ التِّلاوةِ في هذا الموضعِ وغيرِه هي التِّلاوةُ المطلقةُ التَّامَّةُ، وهي تلاوةُ اللفظِ والمعنى. انتهى. ملخَّصًا مِن كلامِ ابنِ القيِّمِ.
قَولُهُ: (مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ) : الوحيُ: لغةً: الإعلامُ في خفاءٍ، وفي الاصطلاحِ إعلامُ اللهِ أنبياءَه بالشَّيءِ، إمَّا بكتابٍ أو رسالةِ مَلَكٍ أو منامٍ أو إِلْهَامٍ.
قَولُهُ: (مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ) : أي القرآنِ بدليلِ قَولِهِ: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) - إلى قَولِهِ - (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى) الآيةَ والمَسْمُوعُ واحدٌ، والكتابُ في الأصلِ جِنْسٌ، ثمَّ غَلَبَ على القرآنِ من بين الكُتبِ. انتهى، (الكَوْكَبُ المُنيرُ) ملخَّصًا.
قَولُهُ: (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) : أي لا تُغيَّرُ ولا تُبَدَّلُ، كما قال سُبْحَانَهُ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) في هذه الآيةِ -كغيرِها- دليلٌ على أنَّ الكتابَ هو القرآنُ، خلافًا للكُلاَّبِيَّة فإنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- سمَّى نفسَ مَجْموعِ اللفظِ والمعنى قرآنًا وكتابًا وكلامًا، كما تقدَّمَ في قَولِهِ: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) الآيةَ فبيَّنَ أَنَّ الَّذي سَمِعوه هو القرآنُ، وهو الكتابُ، وقال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ) وفي الآيةِ المتقدِّمةِ دليلٌ على أنَّ القرآنَ منَزَّلٌ من عندِ اللهِ، وأنَّه كلامُه، وفيها الحثُّ على تلاوتِه، وأنَّه -سُبْحَانَهُ- ضَمِنَ حفظَه من التَّغييرِ والتَّبديلِ.
قَولُهُ: (إِنَّ هَذا القُرْآنَ) : مصدرُ قرأَ، أي جمعَ لِجِمْعِهِ السُّورَ أو ما في الكتبِ السَّابقةِ.
قَولُهُ (يَقُصُّ) : أي يُبيِّنُ (عَلى بَني إِسْرَائيلَ) وهم حَمَلَةُ التَّوراةِ (أَكْثَرَ الَّذي هُمْ فيهِ مُخْتَلِفونَ) وذلك كاختلافِهم في أمرِ عيسى وَتَبَايُنِهم فيه، فجاءَ القرآنُ بالقولِ العَدْلِ الحقِّ أنَّه عبدٌ من عبادِ اللهِ ونبيٌّ مِن أنبيائِه، وفي الآيةِ دليلٌ على عظمةِ هذا الكتابِ وَهَيْمَنَتِه على الكتبِ السَّابقةِ، وتَوْضيحِه لما وَقَعَ فيها من اشتباهٍ، وإضافةِ القصصِ والتَّوضيحِ إليه وتضمُّنِ وجوبِ الرُّجوعِ إليه واتَّباعِه.