الصفحة 32 من 233

ولهذا كانَ مَن قرَأَ هذه الآيةَ في ليلةٍ لم يزلْ عليه حافظٌ، ولم يقربْهُ شيطانُ حتّى يصبحَ. [1]

(1) قولُه: (ولهذا كانَ من قرأَ هذه الآيةَ في ليلةٍ لمَ يَزَلْ عليه من اللهِ حافظٌ، ولم يقربْه شيطانٌ ) .

هذا الحديثُ في صحيحِ البخاريِّ، عن أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قال: وكَّلَنِي رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بحفظِ زَكاةِ رَمضانَ، فأتانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو من الطَّعامِ فَأَخذْتُهُ، وقلتُ: لأَرْفَعنَّكَ إلى رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-..قال: دَعْني فإنَّي مُحتاجٌ، وعَليَّ عيالٌ، لا أعودُ فَرَحِمْتُه وَخَلَّيْتُ سبيلَهُ، فأصبحتُ فقال لي رسولُ الله: (( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ ) )قُلتُ: يا رسولَ اللهِ شَكَا حاجةً وعِيالًا فَرَحِمتهُ وخَلَّيْتُ سَبيلَه، قال: (( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ ) )فَعَرفْتُ أَنَّهُ سَيعُودُ، لقولِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: إِنَّه سيعودُ، فَرَصَدْتُهُ فجاءَ يحثُو مِن الطَّعامِ فَأَخَذْتُهُ فقلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلى رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: دَعْنِي فإنِّي مُحتاجٌ وعليَّ عِيالٌ، لا أعودُ، فَرحِمْتُهُ وَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فقالَ رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ ) )فقلتُ: يا رسولَ اللهِ شَكَا عِيالًا وحاجةً فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سبيلَه، قال: (( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ ) )فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثةَ فجاءَ يحثُو من الطَّعامِ فَأَخَذْتُهُ فَقلتُ: لأَرفَعَنَّكَ إلى رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وهذه آخِرُ ثلاثِ مرَّاتٍ تَزعُمُ فيها أَنَّكَ لا تعودُ ثمَّ تعودُ، فقال: دَعْني أُعَلِّمْكَ كلماتٍ يَنْفَعْكَ اللهُ بِها، قُلتُ: وَما هِي؟ فقالَ: إِذا أَوَيْتَ إِلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حتَّى تختمَ الآيةَ فإنَّكَ لن يَزالَ عَليكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حتَّى تُصبحَ، وكانوا أَحْرَصَ شَيءٍ على الخَيْرِ، فَقَالَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( أَمَا إنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثِ لَيَالٍ؟ ) )قلتُ: لا. قالَ: (( ذَاكَ الشَّيْطانُ ) )كذا رواهُ البخاريُّ معلَّقًا بصيغةِ الجزمِ، وقد رواه النَّسَائيُّ في اليومِ والليلةِ عن إبراهيمَ بنِ يعقوبَ عن عثمانَ بنِ الهيثمِ فذكره، وقد رُوِيَ عن أبي هريرةَ بسياقٍ آخرَ قَريبٍ من هذا.

قولُه: (لَم يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ) : أي يحفظُهُ مِن الشَّياطينِ وغيرِهم، وفي روايةٍ: (( إِذَا قُلْتَهُنَّ لمَْ يَقْرَبْكَ ذَكَرٌ وَلا أُنْثى مِنَ الإِنْسِ وَلا مِنَ الجِنِّ ) )وفي حديثِ عليٍّ رَضِي اللهُ عَنْهُ عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( مَنْ قَرَأَهَا - يَعْنيِ آيَةَ الكُرْسيِّ - حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ أمَّنَهُ اللهُ عَلى دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ وَأَهْلِ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ ) ). رواه البيهقيُّ في شُعَبِ الإيمانِ.

قولُه: (شَيْطانٌ) : الشَّيطانُ يُطلقُ على كلِّ متمرِّدٍ عاتٍ مِن الجنِّ والإنسِ، مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ لبعدِه عن رحمةِ اللهِ. أو من شَاطَ يَشيطُ إذا هلكَ واحترقَ.

في هذا الحديثِ فضلُ آيةِ الكرسيِّ، وَعظمُ منفعتِها وتأثيرُها العظيمُ في التحرُّزِ من الشَّيطانِ، وذلك لِما اشتملتْ عليهِ من العلومِ والمعارفِ، ولذلك إذا قَرَأها الإنسانُ عندَ الأحوالِ الشَّيطانيةِ بصدقٍ أبْطَلَتْهَا، مثلُ مَن يدخلُ النَّارَ بحالٍ شيطانيٍّ، أو يحضرُ المُكَاءَ والتَّصْدِيَةَ وتنزلُ عليه الشَّياطينُ، وتتكلَّمُ على لسانِه كلامًا لا يُعلمُ، وربما لا يُفقهُ، وربما كاشفَ بعضَ الحاضرينَ بما في قلبِه، إلى غيرِ ذلك منَ الأحوالِ الشَّيطانيَّةِ، فأهلُ الأحوالِ الشَّيطانيَّةِ تنصرفُ عنهم شياطينُهم إذا ذُكرَ عندَهُم ما يطردُها. مثلُ آيةِ الكرسيِّ، أشارَ إلى ذلك الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ في كتابِه (( الفرقانِ بينَ أولياءِ الرَّحمنِ وأولياءِ الشَّيطانِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت