( ويُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، ويَخْلُو بعَبْدِهِ المُؤمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذلكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
وأَمَّا الكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وسَيِّئاتُهُ؛ فإِنَّهُ لا حَسَنات لهُمْ، [1]
(1) قولُه: (ويحاسِبُ اللَّهُ الخلائقَ) ... إلخ، ظاهرُه العمومُ ولكنْ دلَّت الأدِلَّةُ أنَّه يُستثنَى مِن ذَلِكَ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ بغيرِ حسابٍ، كما في"الصَّحيحَيْنِ"من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ في السَّبعِينَ ألْفًا الذين يَدخلون الجَنَّةَ مِن غيرِ حسابٍ ولا عذابٍ.
قولُه: (ويَخلُو بعبدِه المؤمِنِ فيُقرِّرُه بذُنوبِه) أي: ينفرِدُ -سُبْحَانَهُ- بَعبدِه ويُقرِّرُه بذُنوبِه، فيقول: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتَعْرِفُ ذنبَ كذا؟، يقالُ: قرَّرَه بكذا أي جَعَلَه يَعترفُ بِهِ كما في الصَّحيحِ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، وفيه (( يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلْيَكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لِكَ الْيَوْمَ ) )ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حِسَابِهِ، وَأَمَّا الآخَرُونَ وهُم الكفارُ والمنافِقون فيُنادَى بِهم على رُءوسِ الخلائقِ: (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) . قال المهلَّبُ في الحديثِ: تَفضُّلُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- على عِبادِه وسَتْرُه لذُنُوبِهم يومَ القيامةِ، وأنَّه يَغفِرُ ذُنوبَ مَن شاءَ منهم، بخلافِ قولِ مَن أنفذَ الوَعيدَ على أهلِ الإيمانِ. ا. هـ.
قولُه: (وأمَّا الكفارُ ... ) إلخ أي: لأنَّه إنَّما يُحاسَبُ مَن له حسناتٌ وسيِّئاتٌ، والكافرُ ليس له في الآخرةِ حسناتٌ تُوزنُ، فإنَّ أعمالَهم حابطةٌ باطلةٌ؛ لأنَّها فاقدةٌ لشروطِ العبادةِ التي هي الإخلاصُ والمتابعةُ، فكُلُّ عَملٍ لا يكونُ خالِصًا وعلى الشَّريعةِ المرضِيَّةِ فهُوَ باطلٌ، وأعمالُ الكفارِ لا تخلو مِن ذَلِكَ فلا يَحصُلُ لهم مِن أعمالهم التي عَمِلُوها فائدةٌ، كما قال -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) ففيها دليلٌ على أنَّ الكافرَ لا تُوزنُ أعمالُه؛ إذْ لا ثوابَ له في الآخرةِ، ولا يجازَى فيها بشيءٍ مِن عملِه في الدُّنْيَا، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) وإنْ عَمِلَ كافرٌ مِن نحوِ عِتقٍ أو صدقةٍ أو عملٍ حَسنٍ وُفِّي له في حياتِه الدُّنْيَا، فليس له في الآخرةِ جزاءُ عملٍ، لكنْ يُرْجىَ أنْ يَخفَّفَ عنه مِن عذابِ مَعاصِيه لحديثِ ثُويْبَةَ حين أعْتَقَها أبو طالبٍ. وفي"صحيحِ مسلمٍ"عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسول اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( إنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مؤمنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا في الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا في الآَخِرَةِ، وأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ في الدُّنْيَا، حتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآَخِرَةِ لم تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا ) ).قال النوويُّ في شرحِ صحيحِ مسلمٍ: أَجْمعَ العلماءُ على أنَّ الكافرَ الذي ماتَ على كُفرِه لا ثوابَ له في الآخرةِ، ولا يُجازَى فيها بشيءٍ مِن عملِه في الدُّنْيَا متقرِّبًا بِهِ إلى اللَّهِ، وصرَّحَ في هَذَا الحديثِ بأنَّه يُطْعَمُ في الدُّنْيَا بما عَمِلَه مِن الحسناتِ، أي بما فَعلَه متقرِّبا بِهِ إلى اللَّهِ ممَّا لا تفتقِرُ صحَّتُه إلى النيَّةِ، كصِلةِ الرَّحمِ والصَّدقةِ والعِتقِ والضيافةِ وتسهيلِ الخيراتِ ونحوِها، وأمَّا المؤمنُ فيُدَّخَرُ له أيضًا حسناتُه وثوابُ أعمالِه إلى الآخَرَةِ ويُجزى بها مع ذَلِكَ في الدُّنْيَا، ولا مانِع من جزائِه بها في الدُّنْيَا والآخرةِ، وقد وردَ الشَّرعُ بِهِ فيَجِبُ اعتقادُه.