الصفحة 7 من 236

توطئة

الإحتباك قسمٌ من اقسام الحذف, والحذف من الأبواب اللطيفة الدقيقة التي انتقلت مباحثها من علم النحو إلى علم المعاني في البلاغة , لما فيها من الدقة والجمال, فكما تحدث علماء النحو عن حذف المسند والمسند إليه, تحدث علماء البلاغة عن ذلك مبينين سر جمال هذا الحذف في موقعه, والشروط المسوغة لوجوده في الأسلوب, والحذف من العناصر التي تزين اللغة وتقويها, وتزيد المعنى جمالًا, ولهذا قال عنه شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) : (( فما من اسمٍ أو فعل تجده قد حذف ثم أصيب به موضعه وحذف في الحال التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره وترى إضماره في النفس أولى وانس من النطق به ) ) [1] .

والحذف مظهرٌ من مظاهر البلاغة العربية وسرٌ من أسرار جمالها وإبداعها, وإذا كان الذكر أصلًا في الكلام فان سر جمال موقعه لا يعلم إلا بالحذف فبضدها تتميز الأشياء , ولهذا وجدنا الجرجاني ينوه بالحذف في الكلام فيقول: (( هذا باب دقيق المسلك , لطيف المآخذ, عجيب الأمر, شبيه بالسحر, فانك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر, والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة, وتجدك انطق ما تكون إذا لم تنطق, وأتم بيانًا إذا لم تبن ) ) [2] . ولأهمية الحذف وقيمته في العربية , نجد أن ابن جني (392هـ) قد مدحه وجعله من شجاعة العربية [3] .

وهذا النوع من الحذف ( الاحتباك) يتميز بقلة ما كتب عنه ولهذا كان حريًا بنا أن نبسط الكلام فيه ونوضحه ونقدمه بين يدي القاريء , وقبل بيان أنواعه وتحليل عدد من شواهده في القرآن نذكر الإحتباك في اللغة والاصطلاح ومأخذه وعند العلماء وأنواعه وشروطه وبلاغته في الكلام .

الإحتباك لغةً

(1) دلائل الإعجاز: 117.

(2) ن. م: 112 .

(3) = الخصائص: 2/362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت