وأما من قال: إنهم سموا عربًا نسبةً إلى بلدهم (عَرَبة) أو (عَرَبات) فقد باعدَ أيضًا؛ ذلك أن اسم هذا الجيل من الناس وهم (العرب) ، واسم البلدة وهي (عَرَبة) يرجعان إلى شىءٍ واحدٍ، وهو الماء العَرِب الذي هو الماء الصافي الكثير الشديد الجريان.
فالعَرَبة كما في اللسان:"هو النهر الشديد الجري"، وعَرَبات جمعها، فالعَرَبات هي الأنهار الشديدة الجريان، وإنما سميت مكة المكرمة بذلك لوجود نهر أو أنهارٍ كانت شديدة الجريان فيها.
غير أننا نعلم أن مكة وادٍ غير ذي زرع، فمن أين جاءت هذه الأنهار الشديدة الجريان حتى سميت مكة باسمها. قلت: كان ذلك في زمن العصور المطيرة، إذا كانت شبة الجزيرة ذات أنهار شديدة الجريان ثم جفت بانقضاء العصور المطيرة، وذلك قبل عشرين ألف عام. (انظر أيضًا مادة أدب في كتاب الأوليات للأصولي ص 19) .
وأما علة تسمية هذا الجيل من الناس بالعرب، فمردُّ ذلك أن لفظ العرب في أصله صفة للماء، إذ قالوا:"هذا ماء عَرَبٌ"أي كثير صافٍ شديد الجريان بالأنهار، ثم نقلت الصفة وهي (عرب) إلى العلمية فقالوا: (هذا عربٌ) أي هذا نهر كثير الماء شديد الجريان، ثم أضافت كل قبيلة اسمها إلى أحد هذه الأعراب (الأنهار) لتمييز الملكية فقالوا:"هذا عَرَب قبيلة كذا"و"هذا عرب قبيلة كذا"يريدون (هذا نهر أو ماء قبيلة كذا) و (هذا نهر أو ماء قبيلة كذا) . ثم جاز اللفظ مجازًا مرسلًا علاقته المحلية إذا اكتفوا بذكر المحل وهو (العرب) أي النهر، وأرادوا من حلت إلى جواره، وهي القبيلة فقالوا: (هذه عرب كذا) أي (هذه قبيلة كذا) ، وقالوا: (من أي العرب أنت؟) .أي (من أي القبائل أنت) ثم غلب لفظ (العرب) فصار اسم جنس لهذا الجيل من الناس الذي يجمعه لغة واحدة، وأعراف واحدة، ودين واحد، والحمد لله ربِّ العالمين.