وردت عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات، وملخّصها أنَّ رجلًا من بني إسرائيل قتل عمَّه ووضعه في محلّة لسبطٍ من أسباط بني إسرائيل غير سبطه، ثم اتهمهم بأنهم قتلوه، وطالبهم بديته، فردّوا التهمة عن أنفسهم، وصار كل من ولي الدم والمتهمين يتدافعون الأمر فيما بينهم، ثم طلبوا من موسى أنْ يسألَ ربَّه البيان، فأمرهم أنْ يذبحوا بقرة، فكان منهم ما كان مما ذكرته الآيات [1] .
وتكشف لنا هذه القصة عن كثير من السِّمات الخُلُقية لبني إسرائيل، وتُبرز على وجه الخصوص سوء أدبهم مع نبيهم ومع الله تعالى. وفيما يلي بيان ذلك:
أجاب موسى قومَه على طلبهم ببيان القاتل قائلًا: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} . وفي هذا التعبير بهذه الصيغة ما يكفي لأن يدفعهم إلى الاستجابة والتنفيذ، فنبيهم الذي هو زعيمهم ومخلصهم من العذاب المهين بفضل الله تعالى ورحمته، يبيّن لهم ما عليهم أن يفعلوه وينبئهم أنَّ هذا الأمر ليس صادرًا منه شخصيًا، إنما هو أمر الله الذي يسير موسى على هداه. فماذا كان جواب القوم؟ لقد كان سفاهة وسوء أدب، واتهامًا لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم، فقالوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} . وهل يمكن لإنسان موصول القلب بالله فضلًا عن أن يكون نبيًا مرسلًا أن يتخذ اسم الله مادة مزاح وسخرية بين الناس؟!
ولم يجد موسى ما يرد به على هذه السفاهة إلا أنْ يستعيذ بالله وأن يردّهم برفق إلى مراعاة الأدب الواجب مع الله تعالى، وذلك بأسلوب التعريض والتلميح، وأن يبين لهم أنَّ ما ظنوه لا يليق إلا بجاهل بقدر الله لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه:
{قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}
(1) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص446. ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج1، ص109. البيضاوي: أنوار التنزيل، تحقيق: عبد القادر عرفات حسونة، (بيروت: دار الفكر، د.ط، 1416هـ/1996م) ، ج1، ص238.