فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 74

ثم إنه لما كان لا يحتمل المواساةَ كلُّ مال وإن قلَّ، جعل للمال الذى تحتمله المواساة نُصُبًا مقدَّرةً المواساة فيها، لا تُجْحِفُ بأرباب الأموال، وتقع موقِعها من المساكين، فجعل للوَرِقِ مائتى درهم، وللذهب عشرين مثقالًا، وللحبوبِ والثمار خمسةَ أوسق، وهى خمسة أحمال من أحمال إبل العرب، وللغنم أربعين شاة، وللبقر ثلاثين بقرة، وللإبل خمسًا، لكن لما كان نِصابها لا يحتمل المواساة من جنسها، أوجب فيها شاة . فإذا تكررت الخمس خمس مرات وصارت خمسًا وعشرين، احتمل نصابُها واحدًا منها، فكان هو الواجب.

ثم إنه لما قَدَّرَ سِنَّ هذا الواجب في الزيادة والنقصان، بحسب كثرة الإبل وقلَّتِها من ابن مَخاض، وبنت مَخاض، وفوقه ابنُ لَبُون، وبنت لَبون، وفوقه الحِقُّ والحِقَّة، وفوقَه الجَذَعُ والجَذَعَة، وكلما كثُرت الإبلُ، زاد السِّن إلى أن يصل السِّنُ إلى مُنتهاه، فحينئذٍ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادة عدد المال . فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قَدْرًا يحتمل المواساة، ولا يُجحِفُ بها، ويكفى المساكين،ولا يحتاجُون معه إلى شئ، ففرض في أموال الأغنياء ما يكفى الفقراء، فوقع الظلمُ من الطائفتين،الغنيُّ يمنعُ ما وجب عليه، والآخذ يأخذ ما لا يستحقه، فتولَّد من بين الطائفتين ضررٌ عظيم على المساكين وفاقةٌ شديدة، أوجبت لهم أنواع الحيل والإلحاف في المسألة.

والله سبحانه تولَّى قَسْمَ الصدقة بنفسه، وجزَّأها ثمانيةَ أجزاء، يجمعُها صِنفانِ من الناس، أحدهما: مَن يأخذ لحاجة، فيأخذ بحسب شدة الحاجة، وضعفها، وكثرتِها، وقِلَّتها، وهم الفقراءُ والمساكين، وفى الرقاب، وابن السبيل . والثانى: مَن يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها، والمؤلَّفةُ قلوبُهم، والغارِمون لإصلاح ذاتِ البَيْن، والغُزاةُ في سبيل اللَّه، فإن لم يكن الآخِذُ محتاجًا، ولا فيه منفعة للمسلمين، فلا سهم له في الزكاة [42] .

5-شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت