ومن اجتهد بهذا المسلك لم يرجع إلى مجرد الهوى والتشهّي ـ كما يقول الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ:"وإنما رجع إلى ما عُلِم من قصد الشارع في الجملة ... كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرًا ، إلاّ أن ذلك الأمر لو أجري القياس فيه يؤدي إلى فوْت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك ، فيكون إجراء القياس مطلقًا فيه ـ وإنْ كان ضروريًا أو حاجيًا ـ يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده ، فيستثنى موضع الحرج" [1] .
وهذا هو المراد بالاستحسان عند المالكية .
ومن أمثلة الاجتهاد المقاصدي بالعدول عن مقتضى القياس الجاري إلى مصلحة جزئية:
[1] ما حكم به العزّ بن عبد السلام من وجوب إبقاء الثمرة التي بدا صلاحها وقد بيعت إلى أوان جذاذها . مع أنه لا إلزام بالإبقاء على ما ورد في نصّ الحديث حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا) [2] .
قال البخاري رحمه الله:"فَلَمْ يَحْظُرِ الْبَيْعَ بَعْدَ الصَّلاحِ عَلَى أَحَدٍ" [3] .
ومع ذلك فقد أوجب العزّ إبقاء الثمرة بعد أن بدا صلاحها معللًا ذلك بأنه مصلحة حاجية فقال:"إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها ، فإنه يجب إبقاؤها إلى أوان جذاذها والتمكّن من سقيها بمائها .. قال: لأن الحاجة ماسّة إليه وحاملة عليه، فكان من المستثنيات عن القواعد تحصيلًا لمصالح هذا العقد"اهـ [4] .
[2] اجتهاد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حين منع أبا هريرة - رضي الله عنه - من تبشير الناس بما بشّره به النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يبشر بالجنة من لقيه يشهد أن لا إله إلاَّ الله مستيقنًا بها قلبه .
(1) انظر: الموافقات: للشاطبي، تحقيق مخلوف، 4/116.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب من باع ثماره.
(3) المصدر السابق نفسه.
(4) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 2/281.