ورواية (1) .
وأما أن من كتبنا ما خفي على المحتج لعدم الراوي لها (2) وقلة استعمالها، فما خفاء العلم على الحمير حجة على أهل العلم، ولا قلة طلبهم لرواية السنن دليلًا على عدم الراوي، بل الرواة ولله الحمد موجودون. فمن (3) أراد الله تعالى به خيرًا وفقه لطلب ما يقرب منه، ولم يشغله عما يعنيه ما لا يعنيه وما لا يغني عنه من الله شيئًا؛ وكذلك ليس قلة استعمالهم لتلك الكتب عيبًا على الكتب، إنما (4) العيب في ذلك على من ضيعها، وحظ نفسه ضيع لو عقل.
وأما ما ذكره من طروئها في بلدهم، فما بلدهم حجة على أهل العلم، ولكن هكذا (5) يكون إزراء السكارى على الأصحاء، واعتراض أهل النقص على أهل الفضل. والعجب كله قولهم:"علماء بلدنا"، وهذه والله صفة معدومة في بلدهم جملة، فما يحسنون ولله الحمد لا رأيًا ولا حديثًا ولا علمًا [177 ب] من العلوم إلا الشاذ منهم والنادر ممن هو عندهم مغموز (6) عليه،"والجاهلون لأهل العلم أعداء"، ومن جهل شيئًا عاداه (7) . والعجب أيضًا عيبهم كتب العلم بأنهم لم يسمع ذكرها عندهم ولا سمعوا بها فيما مضى، فنافروها ولم يقبلوا عليها. إن هذا لعجب، فإذا نافرت كتب العلم هذه الطبقة المجهولة الجاهلة، فكان ماذا لقد اذكرني هذا الجنون ما حكاه الأصمعي (8) ، فإنه ذكر أنه مر بكناسين على حش، أحدهما يكيل والثاني يستقي، والأعلى يقول للأسفل: إن المأمون سقط من عيني مذ قتل أخاه! فما سقوط هذه الكتب عند هؤلاء الجهال إلا كسقوط المأمون من عين الكناس، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما قولهم: إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد (9) تركت، فليت شعري من تركها
(1) ص: رواية.
(2) ص: بها.
(3) ص: لمن.
(4) ص: إما.
(5) ص: هذا.
(6) ص: معمورًا.
(7) من جهل شيئًا عاداه، يظن بعضهم أنه حديث، قال ابن الديبع: ليس بحديث، انظر الأخبار الموضوعة: 341.
(8) ما حكاه الأصمعي إلخ، انظر في الامتاع 2: 54 حكاية مشابهة.
(9) ص: فقد.