أحد من القراء، ولم يعلم أحد بموته من أهل الأزهر مع عظيم الشهرة التي كانت له بأرجاء المعمورة لاشتغال الناس بأمر الطاعون، كما أنه لم يرثه أحد من أهله إلا زوجته.
هذا الرجل كان نادرة الدنيا في عصره ومصره، ولم يأت بعد الحافظ ابن حجر وتلاميذه أعظم منه اطلاعًا ولا أوسع رواية وتلماذًا ولا أعظم شهرة ولا أكثر منه علمًا بهذه الصناعة الحديثية وما إليها، كاتب أهل الأقطار البعيدة بفاس وتونس والشام والعراق واليمن وكاتبوه، وقد كنت في صغري وقفت على أوراق تتضمن ورود أستدعاء على الحافظ أبي العلاء العراقي من المشرق فلم أشك أنها للمترجم حتى ظفرت بعد ذلك بما أيد ظني، فهو خريت هذه الصناعة، ومالك زمام تلك البضاعة. وكان الناس يرحلون إليه ويكاتبونه لتحرير أنسابهم وتصحيحها من المشرق والمغرب، ويظهر من ترجمته وآثاره أن هذه الشعلة الضئيلة من علوم الرواية الموجودة الآن في بلاد الإسلام إنما هي مقتبسة من أبحاثه وسعيه وتصانيفه ونشره، وإليه فيها الفضل يعود، لأنه الذي نشر لها الألوية والبنود.
قال تلميذه الجبرتي في تاريخه:"لم يزل المترجم يحرص على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وألف في ذلك رسائل وكتبًا ومنظومات وأراجيز جمة، وذكر أنه أحيا إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة، وكل من قدم عليه يملي عليه حديث الأولية برواته ومخرجيه، ويكتب له سندًا بذلك وإجازة وسماع الحاضرين، وكان إذا دعاه أحد الأعيان من المصريين إلى بيوتهم يذهب مع خواص الطلبة والمقرىء والمستملي وكاتب الأسماء فيقرأ لهم شيئًا من الأجزاء الحديثية أو بعض المسلسلات بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده وبناته ونساؤه من خلف الستائر ويكتب الكاتب أسماء"