الوادي الكبير آخر الحواجز الطبيعية بين إسبانيا النصرانية والأندلس المسلمة، كانت أبعد المناطق عن متناول العدو وأمنعها، وكانت في الوقت نفسه أقربها إلى الضفة الأخرى من البحر، إلى عُدْوَة المغرب وشمالي إفريقية، حيث تقوم دول إسلامية شقيقة، حيث تستطيع الأندلس وقت الخطر الداهم، أن تستمد الغوث والعون من إخوانها في الدين. وقد كان لها في ذلك منذ أيام الطوائف أسوة، بل لقد كان صريخ الأندلس يتردّد في تلك الآونة ذاتها على لسان شاعرها وسفيرها ابن الأبّار القضاعي، حينما دهم العدو بلنسية في سنة (636 هـ - 1238 م) ، وكان الصريخ موجهًا من أميرها أبي جميل زيان إلى أبي زكريا الحفصي ملك إفريقية (تونس) ، وهو الذي ردّده الشاعر في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسًا ... إن السبيل إلى منجاتها دُرسًا (1)
وكان موقف ابن الأحمر من هذه الحوادث شاذًا مؤلمًا، فقد كان يقف إلى جانب أعداء أمته ودينه، وكان يبذل للنصارى ما استطاع من العون المادي والمعنوي، وكان معظم الزعماء المسلمين من حكام المدن والحصون الباقية، قد أيقنوا بانهيار سلطان الإسلام بالأندلس، يهرعون احتذاء أمثاله من الخونة، وإلى الانضواء تحت لواء ملك قشتالة. وكانت هذه المناظر المؤلمة، تتكرر في تاريخ الأندلس منذ الطوائف، حيث نرى كثيرًا من الحكام المسلمين يظاهرون النصارى على إخوانهم في الدين، احتفاظًا بالملك والسلطان. ولكن ابن الأحمر، كان يقبل هذا الوضع المؤلم إنقاذًا لتراث لم يكتمل الرسوخ بعد، وتنفيذًا لأمنية كبيرة بعيدة المدى، ذلك أنه كان يطمح إلى جمع كلمة الأندلس تحت لوائه، وإدماج ما تبقى من تراثها وأراضيها في مملكة موحّدة، تكون ملكًا له ولعقبه، ولم تكن تحدوه رغبة في توسع يجعله
(1) تراجع هذه القصيدة في نفح الطيب (2/ 578) وما بعدها، وفي أزهار الرياض (3/ 207) وما بعدها، وفي نهاية الأندلس (30) .
وهي من غرر القصائد الأندلسية السياسية.