وكان يحرص غاية الحرص على أمن رجاله، وقد باغت عدوّه في مواقف كثيرة، ولا نعرف أن عدوه باغت رجاله في موقف واحد، مما يدلّ على حرصه الفائق على تأمين الأمن لرجاله.
وكانت خططه مرنة، قابلة للتطوير والتحوير، وليست جامدة لا تُطور ولا تحوّر، وكانت قابلية الحركة في قوّته سريعة نسبيًّا، فقد كان رجاله من الفرسان، وليس فيهم من المشاة.
وكان يطبق مبدأ: التعاون، بين رجاله أولًا، وبينهم وبين الأدلاء من جماعة يُلْيَان ثانيًا، وبينهم وبين المتعاونين معهم ومعه من سكان البلاد الأصليين ثالثًا، وبينهم وبين القيادة العامة للمسلمين في الأندلس رابعًا وأخيرًا.
وكان يديم معنويات رجاله، بالعقيدة الراسخة، والقيادة الواعية، والانتصارات المتعاقبة، فكانت معنويات رجاله عالية إلى أبعد الحدود، وهذا ما يعلل لنا إقدامهم وهم في سبعمائة فارس، على فتح قرطبة، التي كانت من أكبر مدن الأندلس، إن لم تكن أكبرها.
وكان يهتم غاية الاهتمام بأمور رجاله الإدارية، فلا نعلم أنهم عانوا من نقص في أحد نواحيها، وقد كان مجاهدو الأندلس، من الناحية الإدارية، في بحبوبة يُغبَطون عليها من مجاهدي ساحات الفتوح الأخرى شرقًا وغربًا، ومع ذلك فقد كان من سمات المجاهدين حينذاك التقشف المطلق، لأنهم كانوا معنيين بأرواحهم أكثر بكثير من عنايتهم بأجسادهم، فإذا أصاب أحدهم شيئًا من السَّويق والتّمر ليسدّ بهما رمقه حمد الله وشكره.
وكان يساوي نفسه برجاله، ولا يتميّز عليهم بشىء، ويعيش كما يعيشون، في الخيام تارة، وفي العراء تارة أخرى، ويشاركهم في السرّاء والضرّاء وقد يستأثر دونهم بالخطر، ويؤثرهم بالأمن، كما فعل بمطاردة صاحب قرطبة وحده، معرِّضًا نفسه للخطر، دون أن يستعين برجل من رجاله ليعينه في مطاردة صيده السّمين.