ومنها: أن يجيء الطالبُ إلى الشيخ بكتابٍ أو جزءٍ من حديثِه فيعرضَه عليه، فيتأمله الشيخُ وهو عارفٌ متيقظ، ثم يعيده إليه ويقول له:"وقفتُ على ما فيه، وهو حديثي عن فلانٍ، أو: روايتي عن شيوخي فيه، فاروِه عني، أو: أجزتُ لك روايتَه عني". وهذا قد سماه غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث: [46 / و] عَرْضًا. وقد سبقت حكايتُنا في (القراءةِ على الشيخ) أنها تُسمَّى عَرْضًا، فلنُسمِّ ذلك: عرضَ القراءةِ، وهذا: عرضَ المناولة.
وهذه المناولة المقرونةُ بالإجازةِ حالَّةٌ محلَّ السماع ِ عند"مالكٍ"وجماعةٍ من أئمةِ أصحابِ الحديث. وحَكَى"الحاكمُ أبو عبدِالله الحافظُ النيسابوري"في عَرْض ِ المناولة المذكور، عن كثير من المتقدمين، أنه سماع. (1) وهذا مُطَّرِدٌ في سائرِ ما يماثلُه من صُوَرِ المناولة المقرونةِ بالإِجازة. فمِمَّنْ حكى"الحاكمُ"ذلك عنهم:"ابنُ شهاب الزهري، وربيعةُ الرأي، ويحيى بنُ سعيد الأنصاري، ومالكُ بنُ أنس الإمامُ"في آخَرِينَ من المدنيين، و"مجاهدٌ، وأبو الزبير، وابنُ عُيَيْنَةَ"في جماعةٍ من المكيين، و"علقمةُ وإبراهيمُ النخَعِيَّانِ، والشعبيُّ"في جماعةٍ من الكوفيين، و"قتادةُ، وأبو العالية، وأبو المتوكِّل ِ (2) الناجي"في طائفةٍ من البصريينَ، و"ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب" (3) في طائفة من المصريين، وآخرون من الشاميين والخراسانيين. ورأى"الحاكمُ"طائفةً من مشايخِه على ذلك * (4) .
(1) في معرفة علوم الحديث، النوع 52 (معرفة من رخص في العرض على العالم ورآه سماعا) . 257 - 260.
وانظر معه في كتاب العلم من صحيح البخاري (باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان) فتح الباري 1/ 114.
(2) على هامش (غ) : [أبو المتوكل، هو علي بن دُوَاد. ويقال: ابن داود، أيضًا. والله أعلم] وفي تهذيب التهذيب: بن داود، ويقال: بن دُوَاد (7/ 318) ، وفي معرفة الحاكم: علي بن دُواد، ومثله في الإكمال (3/ 336) .
(3) [أشهب: لقب له، واسمه: مسكين] من هامش (غ) .
(4) قوبل على معرفة الحاكم: 256 - 268.
* المحاسن:
"فائدة وزيادة: أحسنُ ما يُستدلُّ به على المناولة بغير قراءة، ما ذكر"الحاكم"مستدلا به مسنَدًا من حديثِ ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه إلى كسرى ="