فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 500

بسبب علاقتها الودية مع الإمارة الأموية بالأندلس [602] . أدى النشاط الاقتصادي الذي ذكرناه إلى بروز مظاهر الترف والرفاه في المجتمع الأندلسي، فانعكس ذلك على ازدياد الواردات التي وصلت إلى مليون دينار أحيانًا فظهرت مظاهر الترف في بلاطات الأمراء وقصور الطبقة العليا، متمثلًا في بناء القصور (المنية) وفي اقتناء الجواري والعبيد البيض (الصقالبة) ، وفي منح الهدايا والهبات للشعراء والمغنين، فمثلًا كان المغني المشرقي زرياب يقبض مخصصات شهرية قدرها مائتا دينار، كما أن كلًا من أبنائه الأربعة كان يأخذ عشرين دينار شهريًا، وقد تسلم زرياب في إحدى المناسبات هدية قدرها ثلاثة آلاف دينار [603] .

وانعكس هذا الرخاء أيضًا في الأعمال العمرانية التي قام بها الأمراء، المتمثلة في بناء المساجد الجديدة أو توسيع المساجد القديمة، وفي بناء الأسوار، وفي بناء مدن الثغور وغيرها.

كما أحدث النشاط الاقتصادي تطورًا إداريًا وعسكريًا في الأندلس، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط أسس دار السكة ونتيجة لذلك تضاعف عدد النقود المتداولة وبخاصة ذات القيم المتوسطة والدنيا، ويلاحظ من بقايا النقود الباقية تحسن مفاجئ ابتداء من عام 229 هـ في إتقان الضرب [604] . وانعكس هذا الأمر أيضًا على وزراء الدولة وكبار رجالها سواء من حيث طبقاتهم أو من حيث أرزاقهم، حيث وصل راتب الوزير إلى 350 دينار شهريًا [605] .

وكان من نتائج التطور الاقتصادي توسع مدينة قرطبة التي غصت بسكانها، حتى أخذ الناس يبنون خارجها وتجاوزوا على المقابر، مما جعل قاضي قرطبة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط إلى إصدار حكم يثبت فيه حدود مقبرة الربض [606] . واضطر الأمير الأوسط لمواجهة المشاكل الناجمة عن هذا التضخم إلى إسناد مهمة مراقبة الموازين والمكاييل والمبيعات إلى المحتسب، والخدمات العامة تركت إلى صاحب المدينة، ومشكلات الأمن عهد بها إلى صاحب الشرطة [607] .

(602) ينظر، بدر، دراسات، ج 1، ص 156.

(603) ينظر، صلاح خالص، إشبيلية، ص 58 - 59.

(604) ينظر، بدر، دراسات، ج 1، ص 158 - 159، ص 163.

(605) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج 1، ص 123 - 124.

(606) ينظر، سالم، قرطبة، ج 1، ص 163 - 168 - بدر، دراسات، ج 1، ص 165.

(607) ابن سعيد، المغرب، ج 1، ص 46 - بدر، دراسات، ج 1، ص 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت