ولكن الشقاق متصلة حلقاته وإن وهت دواعيه؛ والمدينة أضيق في عينه اليوم منها قبل، وهو ابن الإحراج والغابات والبقاع المترامية؛ وهو الذي لم يألف الاستقرار في موطن. لذلك عود على أن يعمل في المحاكم المتجولة فيقضى اشهرًا بعيدا عن المدينة وعن بيته، يتبع المحكمة أينما سارت، إذ كانت المحاكم يومئذ في تلك الأصقاع هي التي تذهب إلى الناس!
وبرزت في المحاماة مواهبه من جديد وظهرت خلاله، وأخذ ينشر مبادئه بالعمل لا بالقول. جعل الحق رائده والصدق شعاره كما جعل مرد كل شئ عنده إلى معاني الإنسانية والفضيلة لا إلى أصول القانون وملابساته. وليس معنى ذلك أنه أهمل جانب القانون كلا إنما كان يهمل جانب القانون إذا أدت ملابساته إلى التعمية وإظهار الباطل في زائف من ثياب الحق؛ ولذلك جعل الفضيلة فوق القانون، والصدق فوق المهارة في الحوار واللباقة في المجادلة. وكان يحث أصدقاءه من المحامين ومحبيه من الناشئين على ألا يفرطوا في جنب الفضيلة قائلا في صراحة وفى بساطة: أن هناك رأيا شائعًا في الناس مؤداه أن المحامي رجل يتهاون عادة في حق الأمانة؛ ولذلك فلا بد من أن يتمسك المحامي بالأمانة فيما صغر أو كبر من الأمور لكي يدرأ تلك التهمة الشنعاء عنه وعن طائفته. ومن عباراته الشهيرة في ذلك قوله: (يجب أن تثبت في المهنة روح الفضيلة لكي تطرد تلك الروح الأدنين) وقوله ينصح أحد الناشئين: (أعمل على أن تكون محاميًا أمينًا. فإذا لم تستطيع أن تكون أمينًا وأنت محام فخير لك أن تكون أمينًا وألا تكون محاميًا)
أما عن مسلكه في معاملة الناس فظل هو هو الرجل المتواضع القنوع. كان يرضى بالقليل من الأجر إذ كان يعتبر طلب الأجر الباهظ من اكبر آثام المهنة. ويذكر أنه دافع مرة عن حق رجل في مبلغ ستمائة دولار ولم يتقاضه أجرًا على ذلك سوى ثلاثة ونصف! ويذكر أيضا أنه لم يتفق على الأجر مرة. فلما ربح القضية أرسل إليه موكلوه خمسة وعشرين دولارًا، فرد إليهم عشرة منها قائلًا: أن ما بقى هو ما يستحقه!
وكان أينما حل يأمر القلوب بسجاياه، فهو لا يتكلف ما ليس له. ولذلك كان يخالط الناس كأنه أحدهم، يضاحكهم ويلاطفهم ويسرى عنهم بأقاصيصه، والناس يفطنون إلى عذوبة روحه وطيب قلبه ويقظة وجداته، فيفرحون أن عرفوه ويحرصون اشد الحرص على