بكلام ولو لم تفهم أي معنى منها، بل تكره أن تفهمالا النغم وحلاوته والتوقيع وعذوبته. أما الأدب فلما أعتمد الكلام والكلام إنما يفهم بالعقل كان لا بد للقطعة الأدبية من قدر من العقلومن المعاني تستثار بها العاطفة وتهيجمنها المشاعر. وارتباط العاطفة بالأدب هو الذي منح الأدب (لا العلم) الخلود، فالنتاج الأدبي خالد أبدي لا النتاج العلمي، فقصائد أمريء القيس والنابغة وجرير والفرزدق وبشار وأبي نؤاسوالمتنبي كلها خالدة تقرؤها فتلتذ منها كما يلتذ منها من كان في عصرهم، فأن احتاج إلى شيء فتفسير ما غمض من الألفاظ والمعاني، وهو بعد يشعر بشعورهم ويسر كسرورهم، ثم القطعة الأدبية لا تمل، تقرؤها ثم تقرؤها فتسر منها في الثانية سرورك منها في الاولى، تتعشق تلاوتها وتكرارها، وليس ذلك هو الشأن في العلم فحقائق العلوم خالدة ولكن منتجات العلوم غير خالدة فما في كتاب أقليدس من نظريات هندسية خالدة ولكن الكتاب لايقرؤ الآن إلا من أراد أن يرجع إلى تاريخ الهندسة، وكل كتاب في الهندسة يموت بمرور سنين عليه ولا تعود له قيمة إلا القيمة التاريخية مهما حوى من نظريات جديدة وترتيب جديد، وكذلك كتب الحساب والجبر والطبيعة والكيمياء والفلك ليست خالدة وإن كانت الحقائق التي فيها خالدة، بل الطبعة الثانية من هذه الكتب تقضي على الطبعة الأولى بالفناء إذا دخلها تغيير، وليس طالب علم الآن يرجع إلى ما ألف من خمسين عاما إلا إذا أراد أن يؤرخ العلم ولكن طالب الأدب يرجع إلى ديوان المتنبي ليتذوق أدبه ويلذ مشاعره كما كان ذلك منذ ألف عام، وقد حفظت بعض قصائده ولا أزال أستمتع بترديدها ولكن إن أنت قرأت كتابًا في الرياضة وفهمت ما فيه لا تستطيع في الحال أن تعيد قراءته إلا على مضض.
والسبب في هذا (على ما يظهر) أن عواطف الإنسان لم تتقدم كما تقدمت عقولهم، قد ترقى العواطف شكلًا فترى أن الإحسان إلى الفقير بإعطائه درهمًا ليس خيرًا ولكن خيرًا منه بناء مستشفى وإنشاء ملجأ ونحو ذلك، ولكن العاطفة هي هي في أساسها، وقد ترقى عاطفة الحنو الأبوي فلا ترى مانعًا من دفع الأولاد إلى حرب الحياة وجوب الأقطار، ولكن العاطفة في أساسها واحدة. أما العقل فوثاب دائمًا راق أبدًا، في الشكل وفي الأساس يرى حلالا اليوم ما كان حرامًا بالأمس ويرى حقًا الآن ما كان باطلًا من قبل ويخترع كل يوم جديدًا ويصوغ حياته وفق الجديد. ومن أجل ذلك لا يلذ له أن يقرأ عقل السابقين إلا كما