أضاحيك كثيرة وعلمٌ قليل، ولكنها برغم ذلك تضمنت نِقاشًا عليه انبنى ذلك النزر اليسير الذي نعلمه اليوم من سبب حصانتنا من المكروبات
صاح أميل بارنج من وراء الحدود الألمانية: (لقد أوضحتُ إيضاحًا لا ريبة فيه أن مصل الفئران هو الذي يقتل جراثيم الجمرة - أن دم الحيوانات لا كراته البيضاء هي التي تحميهم غائلة المكروب وتحصنهم منه) . فصاح كل خصوم متشنيكوف وكل أعدائه الألداء يؤمنّون في نَفَس واحد على الذي قال بارنج. وخرجت المقالات العلمية تتبارى إلى النشر بمقدار يملأ دور كتب جامعية ثلاث كُتبت جميعها في فضائل الدم وأنه الشيء الوحيد الخطير في منع الأدواء
وزأر متشنيكوف من وراء الحدود الفرنسية: (إن الفجوسات، إن كرات الدم البيضاء هي التي تأكل الجراثيم العادِيَة فتدفع سوءها عنا) ، ونشر تجارب بديعة أجراها فأثبتت بها أن بشلات الجمرة تستطيع النماء بوفرة في دم الشياه التي حصنتها ألقحة بستور
وصمد الفريقان للكفاح زمانًا طويلًا، وتمسك كل بموقفه الكاذب رغم ما فيه من غلّو، وغمرهما غبار الحرب الكثيف وأعمتهما غضبته عشرين عامًا، فلم يخطر على بال أيهما أن يستمهل قليلًا، وأن يخلو إلى نفسه للتفكير يسيرأ، فلعل كلًا منهما رأى وجهًا واحدًا من أوجه الحقيقة وهي عديدة، ولعل الذي يحمينا من غائلة المكروب ليس هو الدم وحده، وليست هي كراته البيضاء وحدها، بل هما جميعًا. لقد كانت حربًا رائعة ومزرية في آن، حربًا من تلك الحروب التي يقول فيها الخصم لخصيمه: (أنت كذاب) فيرد عليه صاحبه الجواب بمثله: (لا، بل أنت الكذاب) ، وفي أثناء هذه التهم عمِىَ متشنيكوف وخصماؤه فلم يفطنوا إلى أن سبب الحصانة قد يُرد بعضه إلى الذي قال متشنيكوف، ويرد بعضه إلى الذي قال به خصماؤه. ما كان أجدر الاثنين أن يضعا الحرب حينًا فيعصرا العرق عن جبهتيهما، ويمسحا الدم من أنفيهما، ويفكرا في هدوء ساعة ليدركا كثرة ما يجهلان، وقلة علمهما مما فيه يختصمان، وليدركا أن الدم وفجوساته أشياء معقدة خدّاعة ليست في البساطة التي يزعمان، إذن لأبطآ في السير واستمهلا في الاستنتاج وأيقنا أن من الغباوة في ظلمة هذه الجهالة أن يتعجلا تفسيرات مبتسرة لحصانتنا من الوباء
ليت متشنيكوف لم يخرج عن أودسا، بل ليته اعتكف فيها يلفّه خمول ذكره ويحميه، ثم