يحج بعدها"حجة الوداع"يعني: ولا حجّ قبلها، إلا أن يريد نفي الحجّ الأصغر، وهو العمرة فلا، فإنه اعتمر قبلها قطعًا.
وقوله:"قال أبو إسحاق:"وبمكة أخرى": هو موصول بالإسناد المذكور، وغرض أبي إسحاق أن لقوله:"بعد ما هاجر"مفهومًا، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حجّ، لكن اقتصاره على قوله (أخرى) قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك، بل حجّ قبل أن يهاجر مرارًا بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحج، وهو بمكة قط؛ لأن قريشًا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة، أو عاقه ضعف وإذا كانوا وهو على غير دين يحرصون على إقامة الحج، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يتركه؟"
وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم1 أنه رآه في الجاهلية واقفًا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له2، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى
1 جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، صحابي، عارف بالأنساب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين، روى له الجماعة."تقريب التهذيب"1/126.
2 أخرج البخاري في صحيحه 3/515 مع فتح الباري ومسلم في صحيحه بشرح النووي 8/198 عن جبير بن مطعم قال -واللفظ للبخاري-:"أضللت بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا؟"قال ابن حجر في فتح الباري 3/516:"وروى ابن خزيمة وإسحاق موصولا في مسنده من طريق ابن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن عثمان بن أبي سليمان عن عمه نافع ابن جبير عن أبيه، قال: كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة. قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا". ولفظ يونس بن بكير عن ابن إسحاق في"المغازي"مختصرًا وفيه:"توفيقًا من الله له". وأخرجه إسحاق أيضًا، عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء أن جبير بن مطعم قال:"أضللت حمارًا لي في الجاهلية فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك". قال ابن حجر: وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم. ا?. قال القاضي عياض:"كان هذا في حجه قبل الهجرة، وكان جبير حينئذ كافرًا وأسلم يوم الفتح، وقيل يوم خيبر فتعجب من وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، والله أعلم"."شرح صحيح مسلم"للنووي 8/198 وانظر المراسيل لابن أبي حاتم/155.