ولا أضر فقدانًا من الصبر: به تداوى الأمور ولا يداوى هو بغيره.
سألرجل عليًا عن عثمان رضي الله عنهما فقال: خذله أهل بدر، وقتله أهل مصر، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه، ومن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير مني؛ والله ما أمرت به، ولا نهيت عنه، ولو أمرت لكنت قائلًا، ولو نهيت لكنت نصرًا، واستأثر عثمان فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع.
قال أبو حامد عند هذه الحكاية: إن أمر عثمان ليس بمشكل، ولئن أشكل لقد جل خطبنا، فما خفي أشد من خفائه، قيل له: كيف لك؟ قال: لأنه لا يخلو من أن يكون فارق الدين فلا مرية في خروجه من الإمامة لو أتى بما فيه تأويل، فلا يستحق به القيل من القائل، ولا الخذل من الخاذل. قيل له: إن الصحابة لم تقث عنه إلا لإعضال القضية وخبث الحال، قال: إن الصحابة لا ينبغي أن تعقد عن موعظة الإمام وتنبيهه وإعانته وتقويمهورده إلى الرشد، وإعادته إلى القصد، فإن جمح به المنكر وصد عن سواء السبيل فعليها خلعه والاستبدال به، والمصيبة فيها إن قعدت عن نصرته إن كان مظلومًا، أو حين لم تعظه ولم تخلعه حين كان مظنونًا، أعطم من المصيبة فيه، وإن كان لا تأويل فيما أتى ولا وجه لما ارتكب، فكيف ولا شيء مما قنم عليه إلا وفيه باب واسع فيه التأويل، وفقه صحيح المخرج بالاعتبار؟ وكان يقول في هذا المعنى كلامًا كثيرًا يتصل بأصول السياسة وآدابها، وأحكام الشريعة وتأويلاتها، وعلى قدر ما تعين في ذلك أرويه وأكتبه إليك، على أن معرفة الحقائق في سيرة قديمة ذات أحوال مشتبهة من الصعب العسير.