فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 2175

يتورّع عنها أراد بالحلال مطلق الجائز الشامل للمكروه بدليل قوله: (يتورّع عنها) «1» لا المباح المستوي الطرفين لأنّه لا يتصوّر فيه ورع ما داما مستويين، بخلاف ما إذا ترجّح أحدهما. فإن كان الراجح الترك كره أو الفعل نذب. والثالث المنع. والرابع التوقّف. ولقد أطنب ابن الحجر هاهنا الكلام وذكر أقسام المشتبهات مفصلا.

فمن أراد فليرجع إلى شرحه المذكور.

وقال العيني «2» في شرح البخاري في كتاب العلم في شرح هذا الحديث بعد ذكر أكثر الأقوال المذكورة: فحصل لنا مما تقدّم ذكره أنّ في المتشابهات المذكورة في الحديث التي ينبغي اجتنابها أقوالا. أحدها أنّها التي تعارضت فيها الأدلة فاشتبهت، فمثل هذا يجب فيه الوقف إلى الترجيح لأنّ الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان الحكم بغير دليل محرم. وثانيها أنّها المكروهات وهو قول الخطابي والمازري «3» وغيرهما ويدخل فيه مواضع اختلاف العلماء.

وثالثها أنّها المباحات. وقال بعضهم هي حلال يتورّع عنها، وقد ردّه القرطبي واختار القول الثاني. فإن قيل هذا يؤدّي إلى رفع معلوم من الشرع وهو أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء بعد وأكثر أصحابه عليهم السلام كانوا يزهدون في التنعّم في المآكل وغيره. قلت ذلك محمول على موجب شرعي اقتضى ترجيح الترك على الفعل فلم يزهدوا في مباح، لأنّ حقيقته التساوي، بل في أمر مكروه. ولكن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو وتارة يكرهه لأنّه يؤدّي إليه كالقبلة للصائم فإنّها مكروهة لما يخاف منها من إفساد الصوم. وقد اختلف أصحاب الشافعي رحمه الله في ترك الطّيب وترك لبس الناعم، فقيل ليس بطاعة وقيل إنّه طاعة. وقال ابن الصّبّاغ «4» يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وتفرّغهم للعبادة واشتغالهم بالضيق والسعة. وقال الرافعي «5» من أصحابنا هو الصواب. وأما ما يخرج إلى باب الوسوسة من تجويز الأمر البعيد، فهذا ليس من الشبهات المطلوب اجتنابها، كترك النكاح من نساء بلدكم خوفا عن أن يكون له فيها محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وترك استعمال ماء لجواز عروض النجاسة، إلى غير ذلك ممّا يشتبه بهذا بأن يكون سبب التحريم فيه مجرّد توهّم ليس من الورع. قال القرطبي الورع في مثل هذا وسوسة شيطانية إذ ليس فيه من معنى الشّبهة شيء، وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية انتهى. ويجيء ما يتعلّق بهذا في لفظ الشبهة والورع.

(1) متابعة لمعنى الحديث السابق.

(2) هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني الحنفي. ولد عام 762 هـ/ 1361 م. وتوفي بالقاهرة عام 855 هـ/ 1451 م. مؤرخ، علّامة، من كبار المحدثين قاض. له الكثير من المؤلفات. الاعلام 7/ 163، التبر المسبوك 375، الضوء اللامع 10/ 131، شذرات الذهب 7/ 286، اعلام النبلاء 5/ 255، الجواهر المضية 2/ 165.

(3) هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، أبو عبد الله. ولد عام 453 هـ/ 1061 م. وتوفي عام 536 هـ/ 1141 م.

محدث، من فقهاء المالكية. له عدة مؤلفات قيّمة. الاعلام 6/ 277، وفيات الاعيان 1/ 486، أزهار الرياض 3/ 165.

(4) هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، أبو نصر، ابن الصباغ. ولد ببغداد عام 400 هـ/ 1010 م. وفيها توفي عام 477 هـ/ 1084 م. فقيه شافعي. درّس بالمدرسة النظامية وعمي آخر حياته. له عدة مؤلفات، الاعلام 4/ 10، وفيات الاعيان 1/ 303، طبقات الشافعية 3/ 230، مفتاح السعادة 2/ 185.

(5) هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني. ولد عام 557 هـ/ 1162 م. وتوفي بقزوين عام 623 هـ/ 1226 م. فقيه، من كبار الشافعية، مفسّر ومحدث. له مصنفات كثيرة وهامة. الاعلام 4/ 55، مفتاح السعادة 1/ 443، طبقات الشافعية 5/ 119، هدية العارفين 1/ 609.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت