قال ابن عطية {فليس من الله في شيء} معناه في شيء مرضي على الكمال والصواب، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم «من غشنا فليس منا» . وفي الكلام حذف مضاف تقديره: فليس من التقرب إلى الله والتزلف. ونحو هذا مقوله: في شيء، هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله: {ليس من الله في شيء} . انتهى كلامه. وهو كلام مضطرب، لأن تقديره: فليس من التقرب إلى الله، يقتضي أن لا يكون منالله خبرًا لليس، إذ لا يستقل. فقوله: في شيء، هو في موضع نصب على الحال يقتضي أن لا يكون خبرًا، فيبقى: ليس، على قوله لا يكون لها خبر، وذلك لا يجوز. وتشبيهه بقوله عليه السلام: «من غشنا فليس منا» ليس بجيد لما بيناه من الفرق في بيت النابغة بينه وبين الآية.
{إِلاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَةً} هذا استثناء مفرع من المفعول له.
وقال الزمخشري: إلاَّ أن تخافوا من جهتهم أمرًا يجب اتقاؤه وقرىء: تقية. وقيل: للمتقي تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير لمضروبه. انتهى فجعل: تقاة، مصدرًا في موضع اسم المفعول، فانتصابه على أنه مفعول به لا على أنه مصدر، ولذلك قدره إلاَّ أن تخافوا أمرًا.
وقال أبو عليّ: يجوز أن يكون: تقاة، مثل: رماة، حالًا من: تتقوا، وهو جمع فاعل، وإن كان لم يستعمل منه فاعل، ويجوز أن يكون جمع تقي. انتهى كلامه.
وتكون الحال مؤكدة لأنه قد فهم معناها من قوله {إلا أن تتقوا منهم} وتجويز كونه جمعًا ضعيف جدًّا، ولو كان جمع: تقي، لكان أتقياء، كغني وأغنياء، وقولهم: كمي وكماة، شاذ فلا يخرجّ عليه، والذي يدل على تحقيق المصدرية فيه قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} المعنى حق اتقائه، وحسن مجيء المصدر هكذا ثلاثيًا أنهم قد حذفوا: اتقى، حتى صار: تقي يتقي، تق الله فصار كأنه مصدر لثلاثي.