والصحيحُ ما عليهِ الجمهُورُ؛ لأنَّ المروِيَّ عنهُ بصَدَدِ السَّهْوِ والنِّسْيَانِ [1] والرَّاوي عنهُ ثقةٌ جازِمٌ فلاَ يُرَدُّ [2] بالاحتمالِ روايتُهُ، ولهذا كانَ سُهَيْلٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبيْعَةُ عَنِّي عَنْ أبي، ويسُوقُ الحديثَ.
وَقَدْ رَوَى كَثيرٌ مِنَ الأكَابِرِ أحادِيْثَ نَسَوْها بعدَ ما حُدِّثُوا بها عَمَّنْ سَمِعَها منهُمْ، فكَانَ أحَدُهُمْ يقُولُ: حدَّثَنِي فلاَنٌ عَنِّي عَنْ فلانٍ بكذا وكذا. وجَمَعَ الحافِظُ الخطيبُ ذلكَ في كِتَابِ"أخْبَارِ مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ" [3] . ولأجْلِ أنَّ الإنْسانَ مُعَرَّضٌ للنِسْيانِ؛ كَرِهَ مَنْ كَرِهَ مِنَ العُلَماءِ الروَايةَ عَنِ الأحْيَاءِ، منْهُمُ الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه - قالَ لابنِ عَبدِ الحكمِ [4] :
(( إيَّاكَ والروايةَ عَنِ الأحياءِ ) ) [5] ، واللهُ أعلمُ.
الثَّانيةَ عَشْرَةَ: مَنْ أخَذَ عَلَى التَّحدِيثِ [6] أجْرًا، منعَ ذلِكَ مِنْ قَبُولِ رِوايتِهِ عِنْدَ قومٍ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ، رُوِّيْنا عَنْ إسْحاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابنُ رَاهَوَيْهِ [7] - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المحدِّثِ يُحَدِّثُ بالأجْرِ؟ فقالَ: (( لاَ يُكْتَبُ عنهُ ) ) [8] .
(1) اعترض على ابن الصلاح بأن الراوي معرّض أيضًا لذلك، فينبغي أن يتساقطا، ويبقى النظر في أحدهما بمرجح خارجي.
فأجاب العراقي: بـ (( أن الراوي مثبت جازم، والمروي عنه ليس بنافٍ وقوعه، بل غير ذاكر، فقدم المثبت عليه ) ). التقييد: 154.
قلنا: وهذا الجواب هو فحوى كلام ابن الصلاح الآتي.
(2) في (أ) : (( ترد ) ).
(3) وذكره الذهبي في السير 18/ 290 باسم:"مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ"، وقد لَخَّصه السيوطي وسمّاه:"تذكرة المؤتسي فيمن حدَّث ونسي". قال الزركشي في نكته 3/ 415: (( وقبله الدارقطني وضع فيه جزءًا ) ). وسمّى ابن حجر كتاب الدارقطني"مَنْ حدَّث ونسي". نزهة النظر: 166.
(4) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الحكم بن أعين المصري الفقيه، توفي سنة (268 هـ) . انظر: وفيات الأعيان 4/ 193، والسير 12/ 497، وميزان الاعتدال 3/ 611.
(5) هو في المدخل للبيهقي كما ذكر غير واحد، ولم نعثر عليه في المطبوع فلعله مما نقص منه. وانظر: مناقب الشافعي له 2/ 38، والكفاية: (222 ت، 139 هـ) ، ونكت الزركشي 3/ 416، والتقييد والإيضاح: 154 - 155.
(6) في (جـ) : (( الحديث ) ).
(7) في (أ) و (ب) : (( إسحاق بن إبراهيم ) )فقط، وكذا في (ع) والتقييد، والمثبت من (جـ) ومحاسن الاصطلاح والشذا الفياح.
(8) رواه الخطيب في الكفاية: (240 ت، 153 - 154 هـ) .