الصفحة 596 من 611

الطبيعة الإحصائية لا تتفق مع التعميمات الجارفة

لم تكن الدقة الإحصائية جزءًا أصيلًا في طبيعته، وإنما كانت ستارًا دون نقائص يحسها في ثقافته الفلسفية العلمية، ولهذا فإن هذا لناقد الذي كان يلبس ثوب العالم سرعان ما كان يخلع عنه هذا الرداء المستعار وينطلق نحو الأحكام الجارفة متكئًا على مثل قوله"قد غربلت الأشعار قديمها وحديثها" (1) ، ومثل"ولقد تصفحت الأشعار قديمها وحديثها" (2) ومثل"ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع وأنفذت شطرًا منه في المحفوظ والمسموع" (3) - يمهد بمثل هذه الأقوال ليستولي على ثقة القارئ، ثم يطالعه بمثل هذه الحكم"ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها على الشعراء" (4) أو يورد قطعة غزلية لأبي تمام ويشفعها بقوله"وهل لكثير من المتقدمين أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟" (5) أو يورد بيتًا للمتنبي ويعلق عليه بقوله"وهذا بمفرده يعدل دواوين كثيرة من الغزل، ولو لم يكن للمتنبي غيره لكفاه" (6) ، ثم هو يطرب لهذه الأحكام الجارفة التي يوردها غيره ويقتبسها كأنها الحجة القاطعة في الفصل بين الآراء: يعجبه كثيرًا قول رجل من أهل الشام (بيت واحد من قصيدة ابن الخياط يعدل ديوان ابن منير جميعه"فيقول"وهذا الرجل قد كان عارفًا الفصاحة والبلاغة فحكم حكم عارف لما يقول"(7) ، ويعجبه قول ينسبه إلى أبي العلاء"لو تمثلت بائيات لأبي تمام ودالياته أشخاصًا وخرجت خلف نعشه لضاق بها الفضاء""

(1) الاستدراك: 30، وانظر أيضًا: 26.

(2) المثل السائر 1: 98.

(3) المثل السائر 3: 225، وانظر أيضًا ص: 229.

(4) المثل السائر 3: 276.

(5) الاستدراك: 31.

(6) الاستدراك: 36.

(7) الاستدراك: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت