الصفحة 481 من 611

وقد عاد ابن حزم إلى شيء من هذا الموقف نفسه عندما سأله بعض تلامذته عن القدر الصالح للمرء من العلوم، فحين تحدث عن الشعر قال: وأما علم الشعر فإنه على ثلاثة أقسام: أحدها أن لا يكون للإنسان علم غيره فهذا حرام. يبين ذلك قوله عليه السلام"لان يملأ - أو يمتلئ - جوف أحدكم قبحًا حتى يريه خير له من ان يمتلئ شعرًا"؛ والثاني الاستكثار منه، فلسنا حبه وليس بحرام، ولا يأثم المستكثر منه إذا ضرب في علم دينه بنصيب. ولكن الاشتغال بغيره أفضل. والثالث: الأخذ منه بنصيب فهذا نحبه ونحض عليه لان النبي عليه السلام قد استنشد الشعر، وانشد حسان على منبره عليه السلام، وقال عليه السلام،"عن من الشعر لحكمًا"، وفيه عون على الاستشهاد في النحو واللغة، فهذا المقدار هو الذي يجب الاقتصار عليه من رواية الشعر، وفي هذا كفاية وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما من قال الشعر في الحكمة والزهد فقد أحسن وأجر، وأما من قال معاتبًا لصديقه ومراسلًا له وراثيًا من مات من إخوانه بما ليس باطلًا ومادحًا لمن استحق الحمد بالحق فليس بآثم ولا يكره ذلك، وأما من قال هاجيًا لمسلم ومادحًا بالكذب ومشببًا بحرم المسلمين فهو فاسق، وقد بين الله هذا كله بقوله"والشعراء يتبعهم الغاوون" (1) (الشعراء: 224) . وهنا يتجلى لنا ابن حزم الذي يقر الشعر ما دام يحث على الفضيلة، وينكره ما دام مباينًا للقواعد الدينية والخلقية. ترى هل نعد ابن حزم ناقدًا في هذا الموقف؟ إنه أقرب إلى المصلح الاجتماعي ذي النزعة الأفلاطونية، الذي يتحدث عن الفرد الصالح في المجتمع؛ ولله أن يكون قد تأثر بمسكويه أو بأفلاطون مباشرة فطرد اكثر ضروب الشعر من منهجه التعليمي. عن الهجوم على الشعر من حيث أثره السيئ في نفسية الأفراد والجماعات، سيظل دائمًا ملاذ المتبررين، ولكنا لا نجد في تاريخ النقد الأدبي عند العرب موقفًا واضحًا من هذه القضية وضوح موقف ابن حزم وصراحته وتناوله المشكلة

(1) الرد على ابن النغريلة: 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت