الشعر صورًا مستمدة حينًا من طبيعة المباني الأندلسية وحينًا من جوها فينص على أن الناقد يجب ألا يستهويه الشكل وينسيه التفتيش عن المعنى:"فقد ترى الشعر فضي البشرة وهو رصاصي المكسر، ذا ثوب معضد أو مهلهل، وهو مشتمل على بهق أو برص. مبنيًا بلبن التماثيل وصفوان التهاويل، وهو لا يجن صاحبه عن النسيم فضلًا عن الحرجف، ولا يقيه رقيق الندى فضلًا عن شؤبوب الكنهور" (1) .
الناقد الحق لا ينخدع بالتمويه العاطفي
ولعل أهم خداع تنبه له ابن شهيد هو الخداع العاطفي حيث تضطرم نيران الجوى ويلمع البرق ويستن الودق وتسفح الدموع، والكلام في حقيقته كسراب بقيعة. إذ الفنان الحق في رأيه هو الذي"يتصرف تصرف الملح ويتلون تلون أبي براقش" (2) ، وهذا الكلام موهم، ولكن ابن شهيد يعني القدرة على القريض رغم تنوع الموضوع، فيبقى كلام الشاعر في الناس على مر الادهار ويتخذونه اتخاذ الملح، ويفسرونه بما يلائم تغير الأزمنة.
أثر تغير الزمن في الشعر والأذواق
وقد أقر ابن شهيد بتغير العادة حسب تغير الأزمنة وبان ما يصلح في عصره ربما لم يبق صالحًا في عصر آخر، كذلك هي الحال في الصناعتين النثر والشعر:"ألا ترى ان الزمان لما دار كيف أحال بعض الرسم الأول في هذا الفن إلى طريقة عبد الحميد وابن المقفع وسهل بن هارون وغيرهم من أهل البيان؟ فالصنعة معهم أفسح باعًا وأشد ذراعًا وأنور شعاعًا، لرجحان تلك العقول واتساع تلك القرائح في العلوم؛ ثم دار الزمان دورانًا، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة إبراهيم ابن العباس ومحمد بن الزيات وابني وهب ونظرائهم، فرقت الطباع وخف"
(1) الذخيرة 1/ 1: 266 والجرحف: الريح الشديدة؛ والكنهور: السحاب.
(2) المصدر نفسه.