الصفحة 44 من 611

ويصلح لها، وجعل صفة"اللين"عالقة بالموضوعات المتصلة بالخير والدين. فلدينا هنا اصطلاحان غامضان بعض الغموض هما"اللين"و"الخير"؛ فأما"اللين"فقد وضع الأصمعي إزاءه"طريقة الفحول"ثم لم يتجاوز حدود الموضوع، ولكن كلمة"اللين"سترد عند بعض النقاد مرادفة لضعف الأسر، يقول ابن سلام:"وأشعار قريش أشعار فيها لين فتشكل بعض الأشكال" (1) ، ولا باس ان نفهمها على النحو نفسه عند الأصمعي. وأما كلمة"الخير"فليس يقابلها لفظة"الشر"وإن روي قول الأصمعي من بعد"الشعر نكد بابه الشر"، وظني أن هذه الرواية غير دقيقة، وإنها ترجمة متأخرة بعض الشيء لمفهوم قول الأصمعي، وإنما الخير عند الأصمعي يعني"طلب الثواب الأخروي"أو ما يتصل اتصالًا وثيقًا بالناحية الدينية ويقابله حينئذ"دنيوية"الشعر واتصاله بالصراع الإنساني في هذه الحياة، فالليونة والانحياز إلى الخير مضادان للفحولة، وهذا هو المبدأ الثاني الذي نميز به الأصمعي:

(2) الفحولة: يعود بنا هذا المصطلح إلى طريقة الخليل بن أحمد في انتخاب الألفاظ الدالة على الشعر من طبيعة الحياة البدوية، فالفحل جملًا كان أو فرسًا، يتميز بما يناقض صفة"اللين"التي يكرهها الأصمعي في الشاعر، وبالفحولة يتفوق على ما عداه، فقد سال أبو حاتم الأصمعي عن معنى الفحل فقال له:"له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق" (2) ؛ لهذا انقسم الشعراء لدى الأصمعي في فئتين: فحول وغير فحول: قال أبو حاتم:"سالت الأصمعي عن الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة - أفحل هو؟ قال: لا ليس بفحل" (3) ؛ وقال: سالت الأصمعي عن مهلهل، قال:

(1) الطبقات: 204.

(2) الموشح: 63، والحقاق: جمع حق، وهو الذي استكمل ثلاث سنوات.

(3) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت