من أرجاسهم , والهواء من انفاسهم , بحيث لا يعود منهم مخبر يدل الكفار على عورات المسلمين"1"
وفي هذه الرسالة يحذر المسلمين بعد هذا الانتصار الباهر من مكر الصليبيين وغدرهم , وهنا يحل حديثنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو:"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".. ويقول:"ان اللدغة الأولى تكفي لمن له في النظر تفقه".
ثم يرسل إليه كتابًا ثانيًا , والذي بين أيدينا منه قطعة فيها تهنئة بالظفر , ثم يأمره بالإسراع بقتل الأسارى , ليتعظ غيرهم بما نالهم , فليس في قتل هؤلاء الكفار مراجعة , ولا للشرع في إبقائهم فسحة , ولا في استبقاء واحد منهم مصلحة 2. فالله قد أباح قتلهم لغدرهم , أن الغرض من ذلك تهديد غيرهم , فالجرم الذي اقترفوه كبير , لولا لطف الله العلي القدير.
ويلحق هذا الكتاب بثالث , ويستعجله فيه بضرورة القضاء عليهم ونصه"قد تكرر القول في معنى أسارى بحر الحجاز , فلا تذر على الأرض من الكافرين ديارا 3, ولا توردهم بعد ماء البحر إلا نارا , فأقلهم إذا بقى جنى الأمر الأصعب ', ومتى لم تعجل الراحة منهم , وعدت العاقبة بالأشق الأتعب"4
وتنفيذ لأوامر السلطان صلاح الدين , تولى الصوفية والفقهاء قتلهم 5 جميعا, وهذه الرسائل الثلاث في قصرها تشبه البرقيات في عصرنا الحالي , كما أنها تدل على حنكة عسكرية من السلطان صلاح الدين القائد المظفر , إذ يرى ضرورة القضاء على هؤلاء الأسارى ' شارحا في إيجار الدواعي التي من أجلها يأمر بالقضاء عليهم , وألا يستثنى من هذا الحكم أحدا منهم.
وقد اهتم المؤرخون بالاحتفاظ بالرسالة الأولى كاملة تقريبًا , أما الرسالتان التاليتان , فقد احتفظوا بقطعتين منهما.
وكان لهذه السرعة وهذا الإيجار أثرهما في أسلوب هذه الرسائل , فالمقدمة في الكتاب الأول قصيرة , وأرجح أن مقدمة الكتابين التاليين كانت تنهج نفس السبيل , ولم تسهب الرسالة الأولى في وصف سير المعركة , وكذلك بالنسبة لوصف الأسارى والانتصار عليهم , وطلب السلطان صلاح الدين القضاء عليهم.
1 نفس المرجع السابق.
2 أبو شامة: الروضتين جـ 2 ص 36.
3 سورة نوح آية 26.
4 أبو شامة: الروضتين جـ 2 ص 36 , 37.
5 أبو شامة: الروضتين جـ 2 ص 35