ومنها أن يكون المعنى: كادت القلوب من شدة الرّعب والخوف تبلغ الحناجر، وإن لم تبلغ في الحقيقة، فألغى ذكر «كادت» لوضوح الأمر فيها، ولفظة «كادت» هاهنا للمقاربة؛ مثل قول قيس بن الخطيم:
أتعرف رسما كاطّراد المذاهب … لعمرة وحشا غير موقف راكب [1]
ديار الّتي كادت ونحن على منى … تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب
معناه: قاربت أن تحلّ بنا، وإن لم تحلل في الحقيقة.
وقوله: «غير موقف راكب» فيه وجهان: أحدهما أنه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوّه من الناس ووحشته، والآخر أن يكون أراد أنّه وحش؛ إلّا أن راكبا واقف به؛ يعنى نفسه.
وقال نصيب:
/ وقد كدت يوم الحزن لما ترنّمت … هتوف الضّحى محزونة بالترنّم
أموت لمبكاها أسى إنّ لوعتى [2] … ووجدى بسعدى شجوه غير منجم [3]
معنى المنجم: المقلع.
وقال ذو الرّمة:
وقفت على ربع لميّة ناقتى … فما زلت أبكى عنده وأخاطبه [4]
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه [5] … تكلّمنى أحجاره وملاعبه
(1) ديوانه: 100، والرسم: ما شخص من آثار الديار بعد البلى، والمذاهب: جمع مذهب؛ وهى جلود تجعل فيها خطوط فيرى بعضها في إثر بعض، واطرادها: تتابعها.
(2) ف، حاشية ت (من نسخة) : «لوعتى» .
(3) فى حواشى الأصل، ت، ف:
«فى ديوانه:
* ووجدى بسعدى قاتل لى فاعلمى*
وبعده:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة … بسعدى شفيت النّفس قبل التّندّم
ولكن بكت قبلى فهيّج لى البكا … بكاها، فقلت: الفضل للمتقدّم.
(4) ديوانه: 35.
(5) فى حواشى الأصل، ت، ف: «يقال بثثته السر وأبثثته» .