نقصد بأن النص يمكن أن تقع عليه قراءات؛ يعني استنتاجات. النص الواحد لا يُفيد عادة معرفة واحدة، لتقرأه مرة واحدة فتأخذ هذه المعرفة ثم ترحل وتترك بعد ذلك النص جثة هامدة قد أخذت منها المقصد ورحلت عنها! هذه طريقة يظنها البعض سديدة، فيفتخر أنه قرأ كتاب (البداية والنهاية) ، -وأنا أتكلم عن (البداية والنهاية) باعتبار أن ما بين يدينا يمكن أن نصنّفه تاريخًا-.
يأتي إنسان ويقول أنا قرأت (البداية والنهاية) ، كم مرة قرأته؟ يقول: قرأته مرة. أنت في الحقيقة لم تقرأه! لأن هذا الكتاب لا يمكن أن تستوفي منه أغراضه العلمية بقراءة واحدة، لا بد أن تقرأه مرّات.
وأنا لا أقصد بالقراءة مجرّد الاطلاع؛ هناك فرق بين"قرأ"بمعنى جَمَع. من أين أُخذت القراءة؟ من الجَمْع، ولذلك يؤخذ القُرء، لأنه جمع؛ فالقراءة جمع. وكذلك الكتابة؛ كتب يعني جمع.
فأصل كلمة"قَرَأَ"جَمَعَ، وأصل كلمة"كَتَبَ"جَمَعَ؛ ولذلك تؤخذ منها"الكتائب"؛ يعني جمع لإنسان وراء إنسان وراء إنسان يُسمى كتيبة، فأصل كلمة"قراءة"في المعنى هو أصل كلمة"كتب"؛ فالقراءة هي اطلاع المرء على ما كتب.
إذًا أولًا: لك أن تقرأ بمعنى أن تجمع ما يريد الكاتب كتابته، وربما يمكن لك أن تجمع ما لم يُرِد الكاتب.
فإذًا الكتب الجامعة وخاصة الكتب التي تُؤلَّف لمقاصد عِدَّة لا يمكن أن تستوفي منها أغراضها بقراءة واحدة، وهذه قاعدة.
ولذلك لما سألني أحدهم: لماذا قرأت مثلًا (الرسالة) أكثر من مائة مرة؟ لكل قراءة مقصد؛ أنا أريد أولًا أن أقرأ (الرسالة) لأعرف أصول الفقه. هذا هو الوضع الأول لهذا الكتاب، يذهب إليه طالب العلم الأصولي ليعرف آراء الإمام الشافعي من كتاب (الرسالة) ، هذه قراءة تأخذ منك أسبوعًا فقط، تذهب إلى كتاب (الرسالة) تضعه بين يديك، وتقول ما هو مذهب الشافعي في المسائل الأصولية التي عرضها في كتابه (الرسالة) ؟ فتقول: يقول في البيان كذا، ما معنى البيان عنده، ما معنى النسخ، ما هي مذاهبه في النسخ، ما هو مذهبه في الحديث المرسل، ما هو مذهبه في القياس.
فأنت في أسبوع واحد تستطيع أن تستوفي مقاصد الإمام بالنسبة لهذا الموضوع. لكن كيف تعود إليه مرة ثانية؟ بحسب ما يُطرح أمامك من قضايا تعود إليه قراءة بعد قراءة. انتهيت من المسائل الأصولية، فهل للشافعي ذوق بياني في الشعر؟ هل للشافعي ذوق بياني لكلام العرب؟ فتذهب تتقفّر.