ذلك أن السيرة النبوية هي الصورة التي رضيها الله للعبيد للوصول إلى المقاصد من خلال الشرع. الطرق الأخرى فيها مسالك باطلة، قد تصل، لكن السيرة هي المسلك الحق للوصول إلى المقصد الحق. ولذلك لا بد أن نقرأها قراءة واعية في هذا المعنى، وليس للأسف أن نقرأ السيرة قراءة من أجل أن نحتجّ بما أنتجه الآخرون. وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يفهمها وأن يعيها.
من الأمور الخطيرة في هذا الباب: هو علم النفس. وهذا ما سنتكلم عنه؛ لماذا هذا الكتاب علينا أن نقرأ مقصده؟ وتقدَّم الكلام بأنه لا يجوز لأحد أن يقرأ كتابًا حتى يعرف مقاصد واضعيه.
إذًا هذه قضايا ربما تُصيب وربما تخطئ، ولكن من أجل الإصابة لا بد من اتباع القواعد الصحيحة في البحث والنظر، في رصد الظواهر، وفي قراءة الكتاب والسنة قراءة على طريقة سلفنا؛ بحيث لا نخرج عمَّا قالوه ولا نبتدع أقوالًا ننسبها للكتاب والسنة ظلمًا وعدوانًا تحت باب أن هذا حق ولا بد أن يكون في الكتاب.
وأنتم تعرفون من صور تفسير القرآن الباطلة ما فعله البعض من زعمهم أن النظريات موجودة في القرآن، ولذلك فسّروا القرآن تفسيرات باطلة لا تمت إلى اللغة التي هي مفتاح كتاب ربنا -سبحانه وتعالى-.
الآن النقطة الأولى التي سنهتم بها وهي: لماذا هذا الكتاب؟
وهذه إحدى النقاط الفارقة بين منهج القرآن في كشف الإنسان وبين منهج الأغيار في كشف الإنسان. بغض النظر أن اكتشافاتهم صحيحة أو باطلة، هذا ليس هو المطلوب، المطلوب هو لماذا هم يقرؤون الإنسان؟ هذا الكتاب -كتاب غوستاف لوبون- وكتاب (الأمير) لميكافيلي إنما يريدون معرفة الجماهير من أجل طبقة الملأ. يعني هم يقرؤون الجماهير لمعرفة كيفية إخضاعها للملأ. ولذلك غوستاف لوبون هو ارستقراطي، هو من جماعة الملأ، هو الذي يجعل الجماهير (جوييم) حسب نظرية الجوييم اليهودية أن هؤلاء لا قيمة لهم، هؤلاء رعاع. ونظرية الرعاع هذه صحيحة حقًا وموجودة، ويقولها علي -رضي الله عنه-:"أكثر الناس همج رعاع".
ولكن هناك فرق بين ما يقوله علي -رضي الله عنه- وما يقوله هؤلاء. علي -رضي الله عنه- يقول هؤلاء الهمج الرعاع لهم الحق في أن يرتفعوا، بل الواجب على طبقة العلماء وعلى المفكرين وعلى طبقة الفقهاء والصالحين أن يرفعوا هذه الطبقة لتخرج من هذا المستنقع. وبين طبقة أخرى ترى أن هذه الطبقات رُقُم حديدية لا يجوز تغيُّرها على طريقة المذهب البوذي، الطريقة