فلما وصلت الطائرة مطار عنيزة، حال دون نزولها السحاب الكثيف والأمطار الغزيرة التي لم تشهدها بلدان نجد من قبل، حيث استمرت الأمطار ما يزيد على أربعين يومًا، لم ير الناس فيها الشمس، ولذا لم تستطع النزول في مطار عنيزة، فرجعت من حيث أتت، ثم عادت الطائرة صباح الخميس لعلها تتمكن من الهبوط، لكنها تلقت المكالمة وهي في الجو بنبأ وفاته، فرجعت إلى الرياض.
كانت وفاته قبيل الفجر الخميس الموافق 23/ 6/1376هـ عن تسع وستين ستة قضاها في العلم والتعليم والتوجيه والتدريس والإمامة والخطابة والتأليف والإفتاء.
وقد أخرت الصلاة عليه إلى صلاة الظهر، لعل أحد أبنائه يدركه، فلم يتمكن منهم أحد؛ نظرًا لبعد المسافة، ووجود الأجواء غير الطبيعية من الأمطار والسيول.
وقد صلى عليه خليفته عبد العزيز البسام في الجامع الكبير في حشد كبير لم تشهد له عنيزة مثيلًا من قبل، حيث اجتمع أهلها ومن جاورها من القرى والهجر والبوادي ومن علم بخبر وفاته، وشيع جثمانه إلى مقابر الشهوانية شمال عنيزة، ودفن هناك، وصلي عليه في مناطق كثيرة صلاة الغائب.
وقد تركت وفاته فراغًا كبيرًا، حيث كان المعلم والمرشد والمفتي والموجه والناصح والمشير، يستفيد منه الصغير والكبير، والرجال والنساء.
كانت له صدقات جارية على أسر فقيرة، لم يعلم عنها إلا بعد وفاته، ولقد دخلت أحاديثه كل بيت، فقلَّ أن يوجد بيت في عنيزة إلا ولابن سعيد آثار عليه من قريب أو بعيد، ولا يزال ذكره على الألسن ومحبته في القلوب وأحاديثه وإرشاداته وفتاويه هي حديث المجالس وأنس المحافل، وصدق الشاعر:
فَلَو كانَ يُفدَى بالنفوسِ وما غَلا * * * لَطِبنا نُفوسًا بالَّذي كَانَ يَطْلِبُ ( [100] )
المبحث الثامن عشر
ثناء العلماء عليه