ومن ألطف مقامات الرجاء: أنه يذكر أسباب الرحمة، وأسباب العقوبة، ثم يختمها بما يدل على الرحمة، مثل قوله: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 129] وقوله: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *} [الأحزاب: 73] وذلك يدل على أن رحمته سبقت غضبه وغلبته، وصار لها الظهور، وإليها ينتهي كل من وُجد فيه أدنى سبب من أسباب الرحمة؛ ولهذا يخرج من النار من كان في قلبه أدنى حبة خردل من الإيمان، ولنقتصر على هذه الأمثلة فإنه يعرف بها صفة الاستدلال بذلك.
القاعدة العشرون:
القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار،
وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث.
وقد وصفه الله تعالى بكل واحدة من هذه الأوصاف الثلاث، فوصفه بأنه محكم في عدة آيات، وأنه: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] . ومعنى ذلك: أنه في غاية الإحكام، ونهاية الانتظام، فأخباره كلها حق وصدق لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأوامره كلها خير وبركة وصلاح، ونواهيه متعلِّقة بالشرور، والأضرار، والأخلاق الرذيلة، والأعمال السيئة، فهذا إحكامه.
ووصفه بأنه متشابه في قوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] أي: متشابهًا في الحسن، والصدق، والحق، ووروده بالمعاني النافعة المزكية للعقول، المطهِّرة للقلوب، المصلِحة للأحوال. فألفاظه أحسن الألفاظ، ومعانيه أحسن المعاني.