الصفحة 130 من 154

وهذه القاعدة عظيمة النفع، قد دل القرآن عليها صريحًا وظاهرًا في أماكن كثيرة، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة: 45] أي: استعينوا على جميع المطالب، وفي جميع شؤونكم، بالصبر؛ فإن الصبر يسهل على العبد القيام بوظيفة الطاعات، وأداء حقوق الله، وحقوق عباده، وبالصبر يسهل عليه ترك ما تهواه نفسه من المحرمات، فينهاها عن هواها حذر شقاها، وطلبا لرضى مولاها، وبالصبر تخف عليه الكريهات، ولكن هذا الصبر وسيلته وآلته التي ينبني عليها ولا يمكن وجوده بدونها هو معرفة الشيء المصبور عليه، وما فيه من الفضائل، وما يترتب عليه من الثمرات، فمتى عرف العبد ما في الطاعات من صلاح القلوب، وزيادة الإيمان، واستكمال الفضائل، وما تثمره من الخيرات والكرامات، وما في المحرمات من الضرر والرذائل، وما توجبه من العقوبات المتنوعة، وعلم ما في أقدار الله من البركة، وما لمن قام بوظيفته فيها من الأجور، هان عليه الصبر على جميع ذلك.

وبهذا يعلم فضل العلم، وأنه أصل العمل والفضائل كلها؛ ولهذا كثيرًا يذكر في كتابه أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة إنما ذلك لقصور

علمهم وعدم إحاطتهم التامة بها، وقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وقال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] ليس معناه أنهم لا يعترفون أنها ذنوب وسوء، إنما قصر علمهم وخبرتهم بما توجبه الذنوب من العقوبات، وأنواع المضرَّات، وزوال المنافع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت