الصفحة 82 من 173

2-والاستبعاد:

والاستبعاد يكون إذا كان ما بعد"ثم"أمرًا مستبعد الوقوع بالنسبة لما قبلها، أو بعبارة أخرى، إذا كان ما قبلها من الأحداث والأفعال مهيئا لعدم حصول ما بعدها، وذلك مثل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} 1. يقول الزمخشري: "في قوله: {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} للاستبعاد: والمعنى أن الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل، كما تقول لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها، استبعادا لتركه الانتهاز، ومنه"ثم"في بيت الحماسة:"

لا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها2

استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها3، وقد تكرر هذا في قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} 4، وكذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} 5.

3-إذا تكررت فالكرة الثانية أبلغ من الأولى:

فقد تكررت"ثم"في قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} 6. فما معنى"ثم"الداخلة في

1 السجدة: 22.

2 أي لا يكشف الخصلة الشديدة إلا رجل كريم يرى قحم الموت ثم يتوسطها لا يعدل عنها، وإنما قال ابن حرة ليصير مهيجا لأنفته -وفي إيثار لفظ"الزيارة"وإشعاره بأنه يلاقيها لقاء معظم لمحبوبه من المبالغة ما لا يخفى"شرح شواهد الكشاف"4/ 417.

3 الكشاف 3/ 246.

4 النحل: 83، والكشاف 2/ 423.

5 البقرة: 84، والكشاف 1/ 293.

6 المدثر: 17/ 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت