فضله وتيسيره والاستعانة به، وأن يشكروه على ما تفضل به عليهم، وميزهم من الغنى والثروة،
وأوجب عليهم أن يقفوا عند الحدود، فلا ينغمسوا في الترف والإسراف انغماسًا يضر بأخلاقهم
وأموالهم وجميع أحوالهم، بل يكونوا كما قال الله تعالى: )وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا( [الفرقان:67] .
وأمرهم مع ذلك أن: يكون طلبهم للغنى والدنيا طلبًا شريفًا نزيهًا، فلا يتلوثون بالمكاسب الخبيثة التي
هي ما بين ربًا أو قمار أو غرر أو غش أو خداع، بل يتقيدون بقيود الشرع العادلة في معاملاتِهِم كما
تقيدوا بذلك في عباداتِهِم، وأمرهم أن ينظروا إلى الفقراء نظر الرحمة والإحسان، لا نظر القسوة
والغلظة والأثرة والبطر والأشر والكبر.
ولهذه الإرشادات الحكيمة تكون الثروة الدينية في غاية الشرف وكمال الاعتبار، ويكون الغنى على
هذا الوجه وصفًا محمودًا، ونعت كمال ورفعة وعلو؛ لأن الشرع هذَّبه وصفَّاه فحث على التباعد عن
رذائله، ورغَّب في اكتساب فضائله.
وأما ما صنعه الدين الإسلامي مع الفقراء، فقد أمرهم وكل من لَمْ يدرك محبوباته النفسية أن يصبروا
ويرضوا بقضائه وتدبيره، وأنْ يعترفوا أنَّ الله حكيم له في ذلك حِكَم، وفيه مصالح متنوعة: )وَعَسى
أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ([البقرة:
فنظرهم هذا يذهب الحزن الذي يقع في القلوب فيحدث العجز والكسل.
ثم أمرهم أنْ: لا ينظروا في دفع فقرهم وحاجاتِهِم إلى المخلوقين، ولا يسألوهم إلا حيث لا مندوحة عن
السؤال عند الضرورة إلى ذلك، وأنْ يطلبوا دفع فقرهم من الله وحده لا شريك له بما جعله من
الأسباب الدافعة للفقر الجالبة للغنى، وهي الأعمال والأسباب المتنوعة، كل واحد يشتغل بالسبب الذي